هي رموز دينية و أبعد قليلاً

عندما حصلت من سمر على كتاب حمل صوراً لملصقات الحرب اللبنانية رحت أقلبه برضىً نوعي.  كانت تلك الملصقات تعكس ميول و اتجاهات بل و أذواق كل حزب من الأحزاب المتصارعة. الطائفية مصورة. الايديولوجيات المتصارعة جرافيكياً. كانت معظم البوسترات – الأفيشات – الملصقات سمها ما شئت… مباشرة. كان كل طرف واثق من أنه على حق بل أنه هو الحق عينه. كان كل طرف يتحدث باتجاه واحد… بصوت مرتفع و بنبرة شديدة اللهجة… لم يكن من داع للرموز . الجميع كانوا يقتتلون فعلام يخاف أحدهم و ماذا يواري.. لا داعي…

 

في سورية تخلو الجدران لا من الملصقات فحسب بل من الشخابير الصبيانية و بالطبع الثورجية. . ما خلا النعوات و رسائل الحب الموتورة أو اليائسة ما من شيء. اللهم إلا في موسم انتخابات مجلس الشعب حيث يتسابق المرشحون حول من يستطيع الصاق صورته فوق صورة الآخر بشكل أكثر حجباً و الغاءً.

 

منذ خرافة و جريمة الحادي عشر من أيلول و تفجير برجي التجارة العالميين في نيويورك و المعركة الحمقاء على الاسلام في تنامي. صحيح أن لدى غالبية المليار و ربع المليار من المسلمين ما يكفي من إرث متخلف و مريض للفتك بهم و بمن حولهم لكن القليل منهم لديهم من القوة ما يكفي لاعادة إحياء هذا الدين في أي وقت مستقبلي . و لهذا فإن تشويه سمعة هذا الدين هو ما يلزم . و قد تم ذك في حيز و من تفصيل هذا الحيز تنامي ارتداء الحجاب و النقاب.

 

فبالمشاهدة العينية يمكن الشهادة على تغير مجرى شارع واحد كنموذج لرصد تغيرات اجتماعية خطيرة ألمت بالمنطقة بأسرها. ف الجسر الأبيض في دمشق على الأقل تحول خلال عقد واحد إلى سوق للمحجبات و المنقبات. و تزايدات مستويات ارتداء الحجاب و النقاب في إشارة واضحة على ما اعتقدته تلك الأسر (باعتبار أن قرار الحجاب هو قرار أسري في أغلب الحالات و ليس قرار فردي) بأنه (تمسك) بالدين الاسلامي في وجه ما يحاك ضده من مؤامرات و ما يتربص به من أخطار. حسناً إن كان لا بد من نقد لذلك التصور السطحي لمفهوم الايمان و الاعتقاد فإن مراجعة شاملة لأصول تلك المنظومة الفكرية التي قادت إلى ذلك التسطيح هي الأجدر بالاهتمام.

و هي منظومة معقدة للغاية يستلزم تحليلها مجموعة من الخبراء في عدة مجالات و قبل هذا مناخاً من الحرية الفكرية يسمح على الأقل باستخدام عبارة من نوع “الهوية العلوية” دون رهبة أو ملامة. كما يستلزم بحث تلك المنظومة القدرة على نقد الكثير من العمامات و اللحى و الرموز الدينية – الاجتماعية المتسلطة و المتحكمة بعقول الأغلبية الشعبية.

 

لكن قبل هذا و ذاك يستلزم الأمر نقداً للمصطلح الركيك “العلمانيون” السوريون.

 

و إذا كان نظاماً شمولياً يحاول ما استطاع أن يتصرف على أنه أكثر استرخاءً و ليبرالية لا زال يقرر ما يشاء في الوقت الذي يشاء بخصوص الحالة الدينية في سورية و مستنداً لنصائح اسخبارتية داخلية بأفضل الأحوال ثم يقوم بفعل ما يشاء بمنتهى الاسترخاء مجنداً لذلك الصحافة “العلمانية” و الرأسمالية الأسرية الحاكمة فإن القصة تصبح أكثر تعقيداً.

 

فالمؤسف أن مختلف أطياف المجتمع السوري قد تجتمع على قرار ما لكن المؤسف أن طريقة تنفيذ القرار تجعل الجميع يعاودون الاختلاف فيما بينهم لا بشأن القرار فحسب بل و بشأن أشياء شتى كثيرة …

 

فعلى سبيل المثال، فمن الصحيح أن النقاب لا يعتبر جزءً لا من الثقافة الاسلامية و لا العربية بالشكل الذي نراه إلا أن قرارات مهاجمته بشكل مفاجئ جعلت كثيرين غير مرتاحين للقرار. مرة أخرى فالشعب الخانع لم يستطع أن يعبر عن ذلك بالشكل الحضاري الأمثل و أكتفى بتخليد النقمة في صدوره. مرة أخرى ضغط الهواء يمكن الشعور به و إن كنا لا نراه.

ثم جاء مسلسل مكتوب بطريقة “متذاكية” و بشكل واضح على أنه استكتاب أمني ليهاجم بشكل غير لائق جماعة دينية قد أقف منها مثل كثيرين موقف المعارض و المستنفر . لكن مرة أخرى جعلت طريقة ادارة القضية من كثيرين يقفون في الصف الآخر. و المسلسل الذي أتحدث عنه هنا هو مسلسل “ما ملكت أيمكانكم” للكاتبة “هالة دياب” و قد تعمدت هنا ذكر اسم الكاتبة و ليس المخرج.

و بنفس السياق فجأة يطالعنا في الصحافة موضوع جديد حول الغاء الرموز الدينية من السيارات ! و يتردد بأنه “تنفيذ قرار الامن القومي بإزالة الرموز الدينية عن السيارات” ويسند نفسه لقانون السير والمركبات المعدل بالمرسوم التشريعي رقم /11/ لعام 2008؛ و الذي يقضي بعقوبة تقدر بـ “غرامة مقدارها ألف ليرة سورية وبإزالة المخالفة التي تقتضي طبيعتها ذلك وحسم نقطة لكل من يرتكب أي من المخالفات التالية: كتابة عبارات أو وضع ملصقات مهما كان نوعها أو شكلها أو مضمونها داخل أو خارج السيارة عدا المرخصة منها”

 

و في تذاك مصطنع يحاول بعض المتذاكين تحويل الموضوع لجعله متصلاً برمز السمكة الذي يضعه بعض المسيحيون على سياراتهم في دلاله لافته لانتمائهم الديني. و صحيح أن كثيرين من أبناء طوائف أخرى لا يعرفون الدلالة الدينية للسمكة إلا أن هذا تماماً هو غرض الرمز!

ثم ينبري رجل دين مسيحي له ثقله السياسي و الاجتماعي إلى جانب الديني و هو الأب “الياس زحلاوي” ليصرح بأنه ضد هذه الرموز ثم يقم لنا عظة حول أننا “لسنا بحاجة إلى أن نفكك لحمتنا التي يريد العدو أن يفككها أصلاً” في نبرة أشبه ما تكون بالخطاب السياسي الذي يذكرنا بالأخطار الخارجية كلما أردنا التحدث عن فساد داخلي.!

و الغرابة كل الغرابة أن المسيحيون في سورية لا يشكلون أكثر من 9 % من التعداد العام للسكان و مع هذا تم التحدث عن طائفة واحدة في محاولة بتأطير نظرنا للقضية ضمن سياق غير سياقها الطبيعي.

 

إن خرافة منع اظهار الرموز الدينية هي أمنيات أمنية تكتيكية لا علاقة لها بأرض الواقع و لا برؤية بعيدة المدى. كيف يمكن منع شخص من وضع ما يناسبه في سيارته! و لماذا نرى أن التعبير عن الهوية الدينية هو أمرقد يؤدي “لتفكيك للحمة” الوطنية.؟ إلا إذا كان هناك اهتراء عال في خيوط هذا النسيج أصلاً…

 

لست مع المبارزات و الاستعراضات القطيعية. و برأيي فإن التعبير عن الهوية الدينية عبر رموز دينية بصرية إنما هو نوع من أنواع الانحسار الاجتماعي و الانغلاق في مجموعات تشبهنا “نحن” و لا يعجبها “الآخر” . و هي حتماً مشكلة قومية ينبغي التصدي لها. لكن ليس بهذه الطريقة و لعدة أسباب.

 

فهي اولاً طريقة لا تستند إلى تحيلي اجتماعي حقيقي. و هي ثانياً قائمة بطريقة الاملاء و الاذعان في قضية شد جوهرية و اعتقادية و هي ثالثاً غير عملية إذ كيف يمكن منع سائق تكسي من ارتداء تيشيرت مكتوب عليه

I love Jesus

مثلاً

أو

Hkh Hpf hghsghl

و هي عبارة : أنا أحب الاسلام مكتوبة بحروف انكليزية

و يمكن كتابتها مترجمة ترجمة دقيقة إلى الباكستاني أو الصيني أو الماوي…. هل سيستطيع رجال الشرطة قراءة ذلك.

ماذا لو وضع على التابلو ممنوع التدخين فهو يضر بصحتك و كما يقول الحديث الشريف :..الخ كيف يتصرف مع رسالة توعية صحية مدنية مدموجة بقول ديني؟

ماذا لو تم وضع عبارة “سورية الله حاميها” و هي العبارة ذات المرجعية السياسية ! ماذا عن أبناء الوطن الكريم الذين لا يؤمنون بالله أو لا يؤمنون بالمقولة ألا يعمل هذا على سلخهم من نسيج الوطن !؟

 

الحل المقترح غير عملي. ماذا لو ركب السيارة زبون يرتدي صليب أو سيف أو قرآن أو أو أو …

ثم كيف أصلاً تتم معاملة جميع الرموز البصرية بنفس السوية في القراءة و التحليل. هل يستوي الصليب بالسمكة ؟ هل يستوي القرآن بـ “صلي عالنبي” ؟ هل يستوي القرآن بالسيف ؟ هل تستوي الخلعة الخضراء بسيف علي؟

 

ثم لماذا السيارات ؟ أليست السيارة ملكية خاصة؟ و ماذا عن المحلات التجارية ؟ ماذا عن المستشفيات ذات المرجعية الدينية ؟ ماذا عن الرموز الدينية في المؤسسات التعليمية ؟ ؟ ؟

 

أخر تفصيل:

لقد قام العلويون في سورية المعاصرة بالتعبير بالرموز الدينية عن هويتهم الدينية الطائفية من بعد مرحلتين الأولى تمثلت بالغائهم و اهانتهم لزمن طويل و الثانية تمثلت بسلطتهم المفرطة منذ الثمانينات أي منذ نحو 30 عاماً.

و لقد قام المسيحيون بالتعبير عن هويتهم البصرية  في سورية المعاصرة من بعد انتشار شديد اللهجة و المدى لرموز دينية اسلامية رافقها تسلط و محاكمة اجتماعية غير شرعية.

و لقد تزايد تعبير المسلمون السنة عن هويتهم الدينية من بعد الحادي عشر من أيلول و من بعد تهميش و اضهاد لاقوه على يد الأجهزة الأمنية المحكومة بقبضة علوية.

 

إن التعبير عن الهوية بالرموز الدينية هو نكسة لكن النكسة الأكبر هي حظر تلك الرموز. إن اسكات الألسنة ممكن و بتر الأقلام وارد الحدوث لكن الرموز لا يمكن قتلها. ليس فقط لأنها قادرة على تفريخ رموز أكثر تعقيداً بل لأنها صمام الأمان الأخير.و في هذه الحالة فإنها تصبح أكثر من مجرد رموز دينية إنها رموز وطنية. إنها الصورة الأخيرة التي ترمز إلى تردي “نسيجنا الاجتماعي”. و الذي يمكن اصلاحه و من قبل نفس النظام الأمني لكن بقليل من الذكاء.



Advertisements

Tags: ,

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: