هنا دمشق

Mobile Damascus

هنا دمشق. مرة أخرى. حيث لا يُسمعُ صوتُ الأذان. ولا تفوحُ رائحة الياسمين. هنا دمشق مرةً عاشرةً بعد المليون صدىً لصراخ أم ثكلى ربطوا فمها بقميص ابنها القتيل.

هنا دمشق مرةً لا أعلم كم رقمها حيث يبتسم رجل الأمن “العلوي جداً” على الحاجز بعينين حزينتين جداً كأنما تقولان لك وداعاً وداعاً جداً جداً.

هنا دمشق التي غادرناها جميعاً. دون أن ننتبه.

هنا دمشق . الشقيقين . هابيل و قابيل.هنا دمشق التي سحقت فيها برزة مهد ابراهيم عليه السلام. هنا دمشق التي باتت لاجئة بعد أن كانت مقصد أجمل اللاجئين:الرسول بولص

هنا دمشق مدينة الأبواب التي باتت موصدة في وجه الشمس و صوت الحب.  هنا دمشق التي غسل حنانيا بمائها بولص عطشى اليوم للحب أكثر من أي وقت مضى

هنا دمشق التي لم تعد تصلي بجانب رفات رأس يحيى بل اكتفت بشتم الدين أو احتكار الدين. هنا دمشق التي تتحدث بلغة طائفية و تنسى أن فيها المبنى الحي. ذاك الذي تحول من معبد جوبيتر إلى كنيسة ثم أخيراً إلى الجامع الأموي بعد أن صلى فيها المسلمون إلى جانب المسيحيين 70 عاماً.

هنا دمشق التي كان فيها يومها 14 كنيسة و بقي فيها يومها 14 كنيسة إذ دخلها خالد بن الوليد.

هنا دمشق التي سلمها أنطونيو لكليوبترا و هنا دمشق التي يبدو أنها قد نسيت كم دللها الامبراطور سبتيموس كرامةً لزوجته السورية جوليا دومنا

وهنا دمشق التي يبكيها فنانوها اليوم  بالألوان بعد أن كانت تمتاز بيوتها بزخرفات المعجون الملون.

هنا دمشق التي يقتلُ أطفالها و أحداثُها بعد أن كانت حاراتها تشكل منهم كتائب تذود الأذى عنها.

و دمشق التي لا تستطيع اليوم غسل دم قتلاها ولم تعد تكفي تربتها لدفنهم كانت ذات يوم مدينة النوافير والحمامات و أضرحة الأولياء و الصحابة.

هنا دمشق المكسورة بعد أن كانت قوية .. هنا دمشق التي يأكلها سلاح من كل حدب وصوب وهي التي شيد فيها الامبراطور ديوقلسيان ذات يوم مصنعاً للسلاح قبل أن يتوجه لمحاربة الفُرس! و هنا هنا أيضاً دمشق التي يسرقها الجميع اليوم بعد أن لم يجد ملك الفرس داريوس الثالث  أفضل منها كي يأتمنها على أسرته و ثرواته قبل أن يتوجه لحرب المقدونيين. هنا دمشق الآرامية . الفارسية . المقدونية . النبطية. الإغريقية. الرومانية. الأموية . الزنكية، الأيوبية، المملوكية. السلجوقية . الأتابكية. العباسية . الفاطمية.

هنا دمشق التي لو لم تنتفض على أسوارها التي شُيدَّت لحمياتها لما ولدت العقيبة و الشاغور و سوق ساروجة و كل دمشق! هنا دمشق التي لو لم يتسلل عبر أسوراها بطرس هرباً لما انتشرت المسيحية إلى العالم.. هنا دمشق التي أنشأ فيها فلسطينيون هربوا من الظلم الصليبي حي الصالحية على حافة النهر بعيداً بضعة كيلومترات عن قلبه الأموي

هنا دمشق يا أولاد الجهل … و الموت ….. دمشق التي تضج بالحياة ..

دمشق المدارس و اسواق الحرير و البزورية و سائر الحرف . هنا دمشق المحترفة

هنا دمشق السُبُل. سُبُل الماء التي تسقي الناس الحياة أيها الظمآى إلى الموت!!!

هنا دمشق التي تناقش وطنية أكرادها و هي التي دخلها صلاح الدين محرراً لها من الزنكيين.   فأقام قلعتها و صنت له تمثالاً

هنا دمشق التي ذبحها  هولاكو عام 1260

هنا دمشق التي جاءها المماليك محررين فطاب لبيبرس تشييد قصر فيها و ظل هناك إلى أن مات و دفن في ثراها

هنا دمشق التي سبب اقتتال اهلها اجتياحها من قبل تيمور لنك عام 1400 فسرق كل حرفييها لكنها سرعان ما استعادة قوتها. هنا اسوار دمشق التي أكلتها حروب و حروب فصارت اقل استعصاء و دخلها العثمانيون بيسر على يد السلطان سليم الفاتح عام 1516

هنا دمشق المليئة بالحياة .. المضيافة . موئل الحجاج في طريقهم إلى مكة. التكيات و الخانات هنا.. الباحات السماوية هنا.

السماء هنا . و الأسواق التي تضجُ بالحياة تحت تلك السماء أيضاً هنا. هنا القبور التي تتوسط الحدائق !! هنا الحدائق التي تنبتُ على أهداب الأنهار.. حفلات المولوية هنا

هنا دمشق التي قامت من زلزالها عام  1757 ومن كل الأوبئة التي تلته وراحت تقتل مئات البشر يومياً

هنا دمشق الرحبة .. الواسعة . الغامرة .. “السيفور” … الحرة…  التي كانت حتى بيوتها تفتح ذراعيها على السماء بفناءاتها الداخلية و نارنجها و بركاتها و هررها و ياسمينها

هنا دمشق التي نشأت أولى بيوتها الفخمة خارج أسوارها.. في تأكيد جديد منها على أن كل تمرد على القيود محمود و في ثورة منها على كل الشروط بما في ذلك الأمنية منها

هنا دمشق التي دمر الغزاة ثلثيها و قتل الطاعون ربع سكانها و ظلت حية ترزق

هنا دمشق التي قد يتسلل إليها الوحوش تحت أعتاب الظلام كما فعل الوهابيون عام 1810 لكنها سرعان ما تطردهم  من بين جنباتها كما فعل محمد علي باشا عام 1812

هنا دمشق التي لم يرضى شعبها بأتاوات تلبس ثوب ضرائب  فأشعل أهل الميدان ثورتهم عام 1831

هنا دمشق التي جاءها ابراهيم باشا ابن منقذها من الوهابيين ليستنزف مواردها و يفرض الضرائب و يمول سلاحه و يفرض التجنيد الاجباري و  يحول جامعها إلى مضنع  للبسكويت. هنا دمشق التي جاءها من ينقذها من الوهابيين فإذا بدروزها يقتلون مسيحييها. ثم ينضم لهم حراسٌ سنة فيقتلون بدل من أن يذودوا عن المسيحيين. لكن هنا دمشق ذاتها التي لم يمس فيها مسيحي من سكان حي الميدان بأذى في تلك الاضطرابات. دمشق التي قتل شعبها بعضه باسم الدين لكن الحقيقة أن ذلك كان بسبب القهر و الظلم الاجتماعي و الاقتصادي.

هي دمشق التي يأتيها المحررون فيتحولوا إلى محتلين

دمشق التي هب من جبل الدروز فيها سلطان باشا الأطرش لتنتشر الثورة في وجه الفرنسيين الذين سارعوا لقصفها

هنا دمشق الترامواي. الذي يربط الصالحية بالمهاجرين بالميدان مروراً بساحة المرجة و متفرعاً نحو باب توما عبر شمالي نهر بردى

إنها دمشق التي جلبت عليها طيبة قلبها و سحر عينيها كل الطامعين.  إنها دمشق التي حطمت أسوارها و سمحت باستباحتها باقتتال أهلها.

و هي دمشق التي بقيت وكبرت و ازدهرت. هنا دمشق التي ستبقى و تكبر و تزدهر و تزداد ألقاً كلما تقدم العمر بها

هنا دمشق

Facebook

Advertisements

Tags: , , , ,

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: