بائعة السمك – The Fish seller

أذكر ذات يوم مضى أن أبي اصطحبني و أنا صغير السن إلى سوق السمك. و أذكر يومها أن الشرطة جاءت فقلبت “بسطات رزق” البائعين. و شاهدتُ كيف ضرب أحدهم بائعاً ب “جرزة” بقدونس على رأسه!

لم يكن الهدف الآذى فالبقدونس ليس اسمنتياً في دمشق، غير أن الغاية كانت توجيه إهانة. أذكر أن الناس كانت تُعاقَب لأنها كانت تبيع كي تكسب رزقها و تعيش بكرامة

على هذا المرفأ القديم في مرسيليا يأتي بائعو السمك يومياً. يضعون حِملَهُم على ألواح خشبية  ويبيعون صيد البحر. كل هذا طبيعي في دول تحتفل بالعمل احتفالاً. لكن الأكثر جمالاً هو ما يحدث بعد الانتهاء من بيع الأسماك. يقوم الجميع بغسل كل شيء . تنظيف المكان تماماً . والرحيل. كل شيء يعودُ نظيفاً تماماً . هذا الاتقان للعمل ليس اجتهاداً شخصياً، إنه جزء من منظومة كاملة تفهم العَمَل و تُقدِرُهُ. إنه جزء من منظومة كاملة تفهم معنى “المكان” و حقوق المُلكية فيه . هذا وطن. هؤلاء مواطنين.

في سوريا “الأسد” لم يكن هناك وطن. كانت عصابات الأسد قد سرقت كل شيء. العمَل، الشارع، المكان، الأسواق، حتى بسطات البائعين. لم تكن الدولة فقط فاشلة في تأمين فرص عمل لمواطنيها بل و جردتهُم أيضاً من المهارات الأساسية لايجاد أو خلق عمل مناسب. كُلُ شيئ يدفع نحو الأمام كان ممنوعاً. فتح محل فلافل من دون موافقة “أجهزة الاستخبارات” كان غير ممكناً. بيع الحبق على الرصيف كان ممنوعاً من دون أتاوات، قيادة تكسي لنقل الناس كان غير ممكناً من دون اتاوات، خدمة العلم لم تكن ممكنة من دون اهانات أو اتاوات، و قبل كل هذا و ذاك فالتعليم كان افنائياً لمهارات النمو. و الدين الوحيد المسموح به كان ما يُقدِس عقلية التواكل. قراءة الأبراج و الحظ الايجابي في قريب الأيام كان أفضل أصوات التسلية المسموحة في سوريا.

Fish Seller - بائعة السمك

 

العمل في سوريا بسبب نظامها السياسي-الاستخباراتي كان الحلقة الوسطى للعبور من عيشة فقر و عَوَز نحو عيشة عبودية. العمَل كان مصدر ذُل. – لأغلب فئات الشعب السوري – كان مرتبطاً القيام بأغلب الأعمال بهامش من الذل يفوق عَرض العمل نفسه. المرأة في تركيبة سوريا كانت “مُتطَلِبَة” و الرجُل كان “مُتَحَرِش” . المرأة تريد حقها البديهي في عيشة لائقة و آمنة و الرجُل يعتبر أن العمل الذي هو سبباً لتحقيق تلك العيشة اللائقة يكون دوماً متلازم مع اهانات و تضحيات من مخزون الكرامة. لهذا تربى الرجال -أغلب الرجال- و هم ينتظرون ساعة الثأر. فالفارق هائل بين عَرَق الجبين و نزيف الكرامة.

و أرى هنا في مرسيليا بعض الأوقات وجوهاً تشبهُ وجوه سوريا و وجوهاً أخرى رأيتها في لبنان. وجوه قهر . كما في منطقة الـ “نواي”. وجوه تضطر للوقوف في انحناءات الحارات الضيقة بعد أن تغيب الشمس لتعرض علي المارين “سيجارة” . وجوه مُتعبة و تكره عملها الذي يبدو لأول وهلة أنها اختارته بمحض ارادتها. لكني أرى أيضاً وجوهاً تتلألأ على حافة البحر. تبيع السمك و تغسل الطاولات المبتلة بالدماء. و تحتفل بعملها.

 

 

IMG_4254

Advertisements

Tags: , , , , , , , , , ,

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: