لا تضرب للأمل موعداً

طفل أمل سوريا

يوم أمس تحدثنا مصطفى و أنا كعادتنا التي باتت يومية تقريباً. هذا يبدو أقرب إلى الاتفاق الضمني غير المعلن. بعد أن بات كل منا في مدينة خارج دمشق. صار هذا تقليد شبه يومي. في أكثر الأحيان بلا أي طعمة لكنه على الأقل يضمن شرطاً وجودياً واحداً: أنت مُخلِص إذاً أنت موجود.

بالأمس قلت لمصطفى في حديثنا عن المستقبل الغامض مايلي:

أنا أؤمن بالمستقبل

بالغيب
أنا على علاقة غرامية ناجحة مع الغيب
لم يخذلني الغيب يوماً
ثم تصادفت أشياء كثيرة بدت بالنسبة لي أقرب للاحباط. وكان من بينها وقوعي على كلمات كتبتها قبل اقبال الخامس عشر من العام 2012. كنت مشبعاً بالأمل.
حين نظرت إلى الكلمات . وقعت مرة أخرى في غرامها. لكن شيئاً “خائناً” عض قلبي. شيء كبير أكبر من اي شيء . ابتلع بهجتي. إنه عدم صدق النبؤة. لم يحدث شيء مما حلمتُ به يوم مارست حب الكتابة  يومها.
بعد قليل وجدتُ حلاً لطيفاً أزاح عن كاهلي كل بؤس حبوط التوقع. حلأ على سذاجته المفرطة بدى أكبر اثبات على نجاح النبؤة. الحل ببساطة كان هو اعادة نشر الأمل.
مع وضع مقدمة بسيطة لكيفية استعماله تأتي مفصلة في كُتيب مرفق عنوانه : الأمل – دليل المستخدم.
لكن في الوقت الحالي يكفي سطر واحد مقدمة لكل ذلك.
لا تضرب للأمل موعداً.
أما بعد، فاسمحوا لي سيداتي و سادتي أن أقدم لكم، سيدي الأمل:
الخامس عشر من آذار 2012 آتٍ

و الساحات التي يمنعها النظام الأمني عن الشعب بالدخان و الرصاص ستكون حلبات رقص و غناء و احتفال

و المحطات الفضائية التي لا تتمكن اليوم من نقل صورة ما يجري للعالم ستتفنن في رواية الحكايا و بث فرح السوريين بمرور عام على خروجهم للحرية.

إنها مسألة وقت لا أكثر

سيعتقل المزيد من الرجال و النساء الشرفاء و الشجعان

و سيسقط المزيد من الشهداء … و قد لا يشاهد من سقطوا بأعينهم مقُبِلَ الأيام لكن سيتوقف هدير الملاييين الفرحين لأجلهم اجلالاً و اكباراً

سترفعُ صور من استشهدوا و يبنى لمن ناضلوا فقضوا أو بقوا تمثال ثائر لا عيب فيه سوى أنه صامت

و سيصبح في كتب أبنائنا فصولاً جديدة تتحدث عن الحرية

و سيمشي الجميع في شوارع قراهم و مدنهم بلا وجوه مرهقة

ستسعيد المدن روقنها بفضل الأرياف….

سينكسر كبرياء الطغاة و يرحلون و سيرحل معهم كل ما يشبههم . سيستعيد السوريون سورية . ملونة و خصبة و كثيفة … لا مختزلة و باهته و من لون واحد…

ستكون أياماً ينضج فيها الوطن … و تتخذ المسؤولية معناها الحقيقي.

سيأتي الخامس عشر من آذار عام 2012

و سيكون السوريون أفضل حالاً

سيستعيدون قدرتهم على الضيافة لا النزوح

و سيفتحون محالهم متى شاؤوا و يغلقوها متى شاؤوا فلم يعد هناك من قانون طوارئ

سيبتسمون كلما مروا برجل جيش

و سيصبح الخامس عشر من آذار عيد الكل. الجميع سيشترون ثياباً جديدة. مسلمون و مسيحيون. دروز و اسماعيليون و علويون و سنة و كاثوليك و بروتسانت و أرمن .. كرد و آشوريون و شراكسة .. شباباً و أطفالاً و شيوخاً. مغتربون و مقيمون.

و سيزورون قبور من استشهدوا و من ماتوا قبل أن يشهدوا هذا العيد و سيضعون الورد عليها …

الجميع سيصنعون “حلوى الحرية” و يضيفونها بعضهم البعض. و سيمارس العشاق شغفهم بلا إدراك للزمن كما لم يفعلوا يوماً من قبل…

الخامس عشر من آذار سيأتي عام 2012 و سيأتي كل عام بعدها … سيصعد شرفاء الفنانين السوريين خشبات المسارح فيمثلون و يرقصون و يغنون و يلعبون الموسيقى … سيلقي رجال الدين الشرفاء فقط كلماتهم المقتضبة جداً و المغتربون السوريون سيرتبون اجازاتهم لتصادف قدر استطاعتهم يوم الخامس عشر من آذار.

و كل الذين خانوا إخوتهم في الوطن حين خرجوا لأجل الحرية سيجلسون في بيوتهم ليشاهدوا التلفاز الوطني حقاً هذه المرة و هو ينقل وقائع تجري بالفعل لاحتفالات التحرر

التحرر من سطوة الخوف .. التحرر من ظلام السجون التعسفية

التحرر من احتكار الاقتصاد الوطني .. التحرر من ضبابية القوانين و الحقوق و الواجبات

التحرر من عذاب الضمير تجاه الصمت على استباحة الوطن

التحرر من ترويع الآمنين، من الكذب على الذات، من تأجيل الأمل

التحرر من تسويف العيش .. التحرر من الموت

سيأتي الرابع عشر من آذار و سنبكي شهداءنا كما نبكيهم اليوم و سنبتهج بالحرية

سيأتي الرابع عشر من آذار و كل الذين اعتقلوا صغاراً و كباراً … رجالاً و نساءً سننحني لهم مرة و اثنتين و عشراً …

حتى تأتي الذكرى لن نتوقف عن  النضال .. جميعنا كما نفعل .. حتى الصامتين منا لحذرٍ يتوخوه… جميعنا نشد أزر بعضنا … جميعنا نبتكر ما يفاجئ القتلة و الكاذبين .. نبتكر ما يطمئن الخائفين على الضفة الأخرى قبل الخائفين في مركبنا .. حتى تأتي الذكرى علينا أن نثقب كل يوم هذه “الأنا”. علينا أن نقر بأن الذين يشدون على يد القاتل هم خائفون كما كنا بالأمس. علينا أن نسمع أكثر مما نتكلم و أن نكون شهداء على كل ما يجري أكثر مما نموت. و أن نهرب أكثر مما نقع في قبضاتهم. علينا أن نتشبث بغصن الأرض. علينا أن لا نركب موجة لا نعرف مصدر الرياح التي صنعتها و ألا نردد صدى ما يقوله حتى أقرب المقربون.

Advertisements

Tags: , , , , , ,

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: