من قتل محمد قطاع؟ | الدليل الأول – مادة التربية الوحشية

محمد

محمد

من نحن؟

و إلى اي حد من الوحشية استطعنا أن نذهب هذا العام؟ و إلى أي حد من الوحشية سنذهب العام القادم؟

أحياناً أفكر أننا قد انخرطنا جميعاً في سباق تحصيل “علمي” لمادة الوحشية و من منا يستطيع أن يسبق ويذهب أبعد في هذا الدرب.

و كأن هناك امتحانأً في نهاية العام و كأن الجميع منهمكون في التحصيل العلمي كي نرى من سيجمع من العلامات أكثر في مادة التربية الوحشية هذه.

تتسرب الأنباء عن مقتل أحد. هذا كان أولاً . . ثم شيئاً فشيئاً يتصاعد العدد يصبح بدلاً من واحد هنا ، اثنان هناك. ثم عشرون سورياً كل أسبوع

ثم عشرون سورياً كل يوم . ثم مئة سوري كل يوم!

من يحصد كل هذه الأرواح؟

سأحكي لك قصة قصيرة جداً:

كل شيء في أوله صعب ثم يصبح عادة. بما في ذلك القتل، أو المشاركة في القتل، أو الشهادة على القتل و الصمت.

انتهت القصة.

الفلسطينيون كانوا يضعون طعام العشاء و يشربون الشاي و يتفرجون على موتاهم. طوال ستين عاماً كانوا يموتون. ربما ليس بشكل مستمر لكنهم كانوا يموتون. هكذا باستمرار . دون أي سبب مقنع. ودون حتى أي مثال لطيف يمكن تقديمه للأطفال لسهولة الفهم. وهل للموت من سباب مقنعة أصلاً. كانوا هكذا إذاً، بشكل يومي خافت، في نشرة الأخبار، قبل موعد المسلسل، يموتون، ثم يبدأ المسلسل. وحين تحين الجلقة الأخيرة من المسلسل ينتظر الجميع بشغف بالغ، يُركِزون جيداً، يتابعون جيداً، و ربما يبكون أو يضحكون جيداً. ثم في مساء اليوم التالي يبدأ مسلسل جديد – في أغلب الأحيان مصري- و تسبقه نشرة أخبار موت الفلسطينيين لكنها تمر عابرة. وحين صار هناك عدة محطات تلفزيونية صارت العبارة الرائجة حين يظهر موت الفلسطينيين “اقلب المحطة”.

الفلسطينيون أدمنوا الموت إذاً، و أدمنوا قلق اللجوء. اللانتماء. صار كل الفلسطينيون لهم عيون متشابهة. إما حزينة أو فاجرة. إما مخنوقة أو عاهرة. لا شي بينهما.

التهام جثة واحدة يومياً على الأقل كمقبلات قبل طعام العشاء قد لا يغير لون العينين لكنه حتماً سيغير شكل النظرة.

مع السورييين المسألة تشبه هذا لكنها تتجاوزه بكثير في أماكن أخرى.

الفلسطينيون ذُبِحوا في قراهم فاضطروا للهرب تحت أصوات مكبرات عصابات الهاجنا الصارخة :”ارحلوا أو يحل بكم ما حل بجيرانكم ” صوت واضح و باللغة العربية . لكن لم يكن هناك من آي فون و لا انترنت ولا مجتمع دولي !

اليوم كل هذه الدروس المساعدة و الخصوصية موجودة لكنها لا تزيد مشاهدي الموت شيئاً إلا الكسل.

السوريون يجربون كل الاختبارات الممكنة للتأكد من أنهم كائنات حية.

في البدء تم التأكد من إرادتهم، من احلامهم، من حبهم، من آمالهم، من اخلاصهم. فكان الحلم أكبر من كل شيء. صمد كل شيء، الإرادة، الحب، الأمل، الاخلاص. هذه مصيبة. لا يمكن أن يكون هذا النقاء البشري موجوداً. لا يمكن أن تكون هذه العزيمة موجودة. الحل بسيط: زوجتك تملأ آنية الزهور كل يوم بأزهار جميلة و لكنك “خائن” الحل بسيط.

اكسر الآنية. ينسكب الماء. تموت الأزهار.

تفتتيت الجسد السوري . عضوياً – مادياً. تفجير الجسد، الشارع.

لكن كل هذا ليس مشكلة. المشكلة في مناعتنا.

ما يحدث اذاً هو أن مناعتنا الانسانية انحطت بضع درجات أخرى على سلم التفوق الأخلاقي. ربما كانت المشاهد القادمة من سجن “بوغريب” يوماً لرجال عراة مكدسين و معذبين امتحاناً تحضيرياً و لعلنا نجحنا فيه بجدارة يومها.

من قتل محمد قطاع؟ أنا أقول لكم من قتل “حمودة”!

هل تذكرون “محمد” ؟

لالا أنا أتحدث عن مُحمد آخر.

مُحمد الدرة.

من منكم يذكر الطفل الذي مات بين ذراعي أبيه قبل ثلاثة عشر عاماً؟

يوم اندفع الفلسطينيون بالحجارة لقتال الغول الحديدي. يوم وقف صفر اليدين في مواجهة مليار دولار من الحديد و البارود

يوم اختُرِعَ المقلاع الملون! وعانقت العجوز شجرة الزيتون فاقتلعوها معها

أما أنا نسينا، أعلم أن انتظار ال i6 من آبل يستحق أكبر مساحة من ذواكرنا لكن لا بأس من الترحم على ستيف جوبز و مُحمدين قطاع و الدرة معاً. إنه أبليكيشن فريد.

من قتل الصبيان الذين من يدري لو كبروا كم نبياً كاذباً كانوا ليخلصونا منهم! من يدري كم دبابةً كانوا ليصنعوا لها صنارة صيد ملونة. من قتل صبيان و فتيات بلدنا كي لا يتموا تعليمهم وطراوتهم.

من يريد لنا أن نحترق شيباً بسرعة شوت التيكيلا ! الحلال طبعاً!

نحن نأكل الموت. نلتهم الجثث بعيوننا. هذا سبق علمي على سلم الرداءة البشرية. الموت الأخلاقي. الجرائم الأخلاقية التي لا يعاقب عليها القانون. يمكنك أن تخون، أن تكذب، أن تتخلى، أن تغمض عينيك و تقول “شو هالمناظر – يا لطيف” ثم تذهب للنوم. دون أن يُسائلك أحد فالمسألة ببساطة أن الأمر لا يعنيك.

تخيلوا أننا نأكل كل يوم بقرة. عفواً أعني بقرتين . تخيلوا أننا نشرب كل يوم برميل كولا، عفواً لا أعني برميل كولا بل برميلين من البترول. تخيلوا أننا نلتهم كل هذا الـ”خرى” بشكل يومي.

كم سنبقى أحياء بعد كل هذا الانتحار الغذائي. ذات الأمر يحدث مع الميديا.

أنا أعرف قاتل محمد جيداً. شربت معه كوب الشاي قبل شهرين. وأكثر.

وقد لا تصدقوا هذا، و قد تظنوه طعماً في النَص لاستدراجكم سطرين آخرين. لكن هذه هي الحقيقة. حسناً إذاً ، هل لديك بعض الوقت؟ إليك السطرين الآخرين إذاً.

Advertisements

Tags: , , , , , , ,

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: