الحمرا ما عادت لبنانية… التوسع {العنصري} غير هويتها

Graffiti - Beirut

مكثت في شارع الحمراء شهورا ثلاثة. كانت المدة الفاصلة بين وصولي هربا من نظام الأسد الوحشي كمئات آلاف السوريين وبين رحيلي إلى فرنسا. ذات الدولة التي آسست لبنان يوما وذات الدولة التي لطالما تماهى جل اللبنانيون باتقان لغتها – على الأقل

لأسباب شتى٫ تتضمن في بعضها حسن التدبير كنت محظوا بترتيب حياتي في الحمراء فقط على الشكل التالي

محل اقامتي . مقهى جلوريا كافيه . بار يو براغ. ومطعم لبناني اشتري منه وجباتي من الطبخ المنزلي يومياِ تقريبا . ثم مطعم لبناني آخر ارتاده بعض الأحيان و اسمه تيه مربوطة! لا أعلم ما إذا كان ذات المطعم الذي صرح صاحبه مؤخراً على لسان كاتب مقال النهار من أنه يشعر بتهديد من المطاعم السورية التي افتتحت في المنطقة

مروان اللبناني المسيحي أخذني مرة لمطعم أرمني طيب جدا يقع في أعلى السلم فوق هذه التاء المربوطة.
وستاربكس على طول كنت أعرج عليه لآخذ قهوتي. ستاربكس كان المكان الأول الذي جلست فيه عند وصولي بيروت صباحا عبر جبال الثلج… جاءت سمر أولا لتأخذي لبيتها ووصل محمد المسلم بعد ذلك بقليل عبر الحدود يحمل حقائبي واوراقي وكمبيوتري وأسراري التي سأحملها كلها فيما بعد لفرنسا

حتى الآن يبدو هذا فنتازيا إلى حد ما. بلد تعاني ويلات حرب الديكتاتور الذي توعد رجاله “الأسد أو نحرق البلد” وعبور مخيف في الجبال، ينتهي ب”تسكع “ لمدة شهور ثلاث في مدينة السهر والجمال بيروت ، في شارع الحمراء،

مروان المسيحي عرفني على مجموعة من الأصدقاء. كان بينهم فاروق اليساري اللاديني. وكان فاروق في تلك الفترة يستعد لحملة سياسية في مقابل أحد ما كبير جدا . جدا جدا. وعلى ما أذكر أنه كان يدعى الله ذاته إن لم تخني الذاكرة، كانوا لبنانيون وجل الحديث كان يومها عن مهزلة الشيخ الأسير، كانوا يحبون الحياة و يحبون بعضهم و يحبون أنفسهم ويحبون بطونهم لا أكثر ولا أقل . وكانوا يتقنون آعمالهم ويعيشون منها. أيضا. لا أثرياء حرب، ولا برجوازيون منتفعون ولا حتى أبطال لوتو،

مشكلة السوريين مع اللبنانين على الدوام كانت في أن اللبنانيون يحبون أنفسهم !فيما كان السوريون يكروهون العالم انطلاقا من كراهيتهم لأنفسهم. هذه ليست شتيمة ولا تعميم مطلق يشمل الطرفين بلا اجتهاد في توصيف أثر ديكتاتورية واحدة على شعبين

في مقاهي جلوريا٬ حيث كنت أذهب كل يوم التقيت ب مي اللبنانية الدرزية. معلمة جامعية علمية وتتقن الرسم. كان كل منا ينهمك في قراءاته وكان كل منا ينتظر استراحة بمنتهى الرغبة. كأننا كنا نعمل بانتظار الاستراحة، حين يحين موعدها بطرفة عين وايجاب، نخرج مع قهوتنا وهي تسحب سيجارة و نثرثر عن أشياء تتفوق على المعنى. لا لشيئ سوى أنها لا ترمي إلى ما نسعى إليه عادة كل يوم في حواراتنا – الاقناع- . بل على العكس من ذلك تماما، كل النقاشات كانت بلا هدف الاقناع. والمرة الوحيدة التي اصيب نقاشنا فيها بوعكة صحية كانت متلازمة زمنيا بين علاقي في بيروت لأسباب أمنية وبين معرفتي بأنها تحترم مواقف حزب الله! علي أن أعترف أني لم أحتمل الفكرة يومها ولا زلت لا أحتملها حتى اليوم. لكن هذا لم يفسد ود ما بيننا. في النهاية خرجت من بيروت بعد أن تبين أن الأمن اللبناني يسمح بعبور السوريين الذين دخلوه هربا من بطش النظام بعد دفع بضع مئات من الدولارات بذريعة أنهم دخلوا البلاد “خلسة” كما يبين البند القانوني لهذا النصب الدولي! المشكلة ليست في المبلغ بقدر ما هي مسألة في صلب الأخلاق، إنها المرة الأولى والوحيدة في العالم التي كنت قد سمعت فيها بأن اللجوء جريمة تستوجب دفع غرامة مالية. لكن دعوني أملي عليكم وعليكن بمنتهى الصدق والأمانة ما لا يمكن تجاهله أيضا . لم يكن ذاك قرارا لبنانيا شعبيا. قد يكون مؤشرا واضحا على ما سيأتي بعد من عنصرية كما يتبدى في المقال القادم حديثي عنه لكنه حتما لم يكن قرار شعبيا. القرار الشعبي بالنسبة لي كان في ضيافة مي ومروان في القهوة والشراب والطعام الأرمني الطيب جدا. هذا ما أتذكره عن لبنان وما أحب أن يتذكره بوفاء أي ممن مروا منه.  الوعي بضرورة الفصل والتمييز الأخلاقي هو واجب أخلاقي ينبغي أن يتفوق مرات ومرات على كل جهد حربي لاستثمار مقالات  وعبارات عنصرية لانتاج مرثيات وبكائيات تفوق في جهد التحضير لها ما كان يلزم لكتابة قصيدة أو صناعة قالب حلوى شمسية!!!،

الحمرا كانت هكذا، يسار، وشيعة وسنة ومسيحيون ولا دينيون لبنانيون

والحمرا كانت مضيافة ، لا عجب أن أحلام محمد بفنجان قهوة فيها كانت ولازالت تبدو غريبة لكثيرين، فالأحلام عادة تتجه صوب ماربيه او موناكو أو مكة

كانت مفعمة بالحياة وكوزموبليتانية

جدرانها بكل الجرافيتي التي اعتلاها كانت تكفي شهيدة على كل شيئ

وذات ليلة كنت أستلقي في غرفتي، سمعنا صراخا وسيارات واصوات “شحط” قفزت للشرفة ومنها رأيت فراس يمد زآسه من نافذة غرفته المجاورة

كان الشارع مفعما بالبشر

سيارة ميكرو باص يمد سائقها يده وبدى كما لو أن جثة تتعلق بيده بينما يتابع طريقه مسرعا والجثة ترتطم بالسيارات المصطفة عن الجانبين ، ثم فلتت الجثة وكأنما طويت على نفسها ثم فلتت في هواء الاسفلت الحار ،،، مشهد اقرب للرعب .. ركضنا للشارع ، لم تمت المرأة ،كل ما هناك انها كانت مصابة برعب وتبكي وتبكي وتبكي وكولونها ممزق،، الحكاية كانت أن عابر السيارة شد حقيبتها منها لكن حقيبتها كانت معلقة بحبل على كتفها بقوة فسحبتها معها وعلقت بها والنذل تمسك بها أكثر!!!!!! كل هذا الرعب من الحمراء ممكن فهمه لكن الذي لم يكن سهلا هضمه هو أن السيارة قد مرت تماما تماما من قرب مقر الحزب السوري القومي الذي يقف افراده في حالة تآهب أزعر على الدوام، أذكر كيف جاء واحد منهم على الأغلب نحوي وراح يشتم لما رأني اصور جرافيتي تسخر من الأسد! الهه

في اليوم التالي لم يعلن أحد الحداد في شارع الحمراء، على موت شرف وأخلاق كل زعران الحزب الذين لم يستطيعوا ايقاف سيارة مجرم تمر أمامهم! استمر السهر فيما تلى من اسابيع وكأن كل شيء على خير ما يرام ، فهمت يومها فقط مالذي يمكن إن تفعله الحرب

كما كان لدى السوريين على الدوام عقدة تقص تجاه اللبنانين تصل حد انعواج اللسان مع انطلاق الحديث مع شخص لبناني ولا تنتهي بشراء الطعام والشراب والثياب من لبنان لمن تيسر له ذلك من طبقة فوق وسطى . ومرورا بتوصيفهم بالانحلال رجالا ونساء لمن لم يجد للحج إلى لبنان سبيلا، على مبدأ من لم يصل للعنب قال عنه حامض. كانت تلك التناقضات  مفهومة فهم شعب يستطيع أن يحب ويعيش ويتحارب ويموت وينتقم أما في سوريا فكل شيئ كان ميتا وبليدا من دون اختيار عن سابق اصرار وترصد

بذات المقدار من شعور الدونية الذي كان موغلا في النفس السورية عامة- كان لدى اللبنانيون شعورا مماثلا من الحقد ذو منشآ مفهوم أيضا لكنه غير مقبول ابدا، كان لدي الأغلبية حالة دمج بين نظام الأسد والشعب

وطالما كان السوري مصدر مال ظل مقبولا وما عدا ذلك ، فلا وألف لا

تعامل عاهرة مع مريض نفسي يريد ممارسة الجنس فقط

علاقة غير طبيعية وسرية ومسكوت عنها

متفق عليها ضمنا دونما صكوك ولا عقود

لا مجال للخوض هنا في هذه السردية الاجتماعية فوعي أغلبية الأفراد من كلا الشعبين كان ضحية ممارسات  نظام الأسد الوحشية وطالما أن النيل من النظام كان غير ممكنا من قبل الطرفين بدى التعويض النفسي بابراز العضلات على الضعفاء من الشعب الأخر أسهل وأجدى ومحررا نفسيا لبعض الوقت على الأقل. وكلما كان بالامكان تصنيف ذاك الآخر في خانة أشد اختلافا كلما كان تهميشه وانتهاكه “حلال” أكثر، وهذا الحلال لا يقتصر على فئة دينية ما بل يتعدى لكل الفئات الاثنية واللادينية بل والاجتماعية الاقتصادية.

:ان مقالا ينشر اليوم تحت عنوان

الحمرا ما عادت لبنانية… التوسع السوري غير هويتها

يثبت فعلا أن شطره الأول صحيح فقط من خلال “اقتراح السبب” في شطره الثاني

فعلا الحمرا ما عادت لبنانية منذ مات غسان تويني .. عميد الصحافة اللبنانية رحمه الله

منذ مات جبران تويني ومنذ مات سمير قصير
منذ صار الخط الأحمر يملي وصايته على شكل النهار اللبناني
الصحافة العربية مستباحة
وسرعان ما سنشم رائحة النهار اللبناني مشبعة باحتراق البترودولار .. سرعان ما سنرى الحمراء فاحمة القلب بسبب اقلام يابسة وعنصرية كقلم “حسين حزوري” الذي يبدو أن النهار بدأت تمنحهم مساحة اوسع كسياسة تحريرية جديدة تنتهج اسلوب الحزازير وآخبار الحواس

وإلى حين يغضب اللبنانيون أنفسهم أكثر وينتصرون لغسان تويني أنفسهم ٬ إلى ذلك الحين لنروجوا أن ينتصر الأصدقاء الكوزموبليتانيي العقيدة في الحمراء لتنوعها الاثنوي والعقائدي واللوني ، أو ربما يردون بارتداء تيشيرت اصحاب البشرة السمراء والخضراء والفوسفورية واللبنانية والفرنسية والسورية مقدمين بذلك اجابة مقنعة للسيد “حزوري” على حزورته التي يظن أن اللبنانيون يعرفون جوابها باتقان اذ يقول:

“أصحاب البشرة السمراء يعرفها اللبناني باتقان انها ذات هوية سورية”

أما من جهتى هنا فأظن أني مدين للكاتب بجواب بسيط على سؤاله الأول في مقدمة المقال: أتذكرون شارع الحمراء؟

وجوابي: طبعا٫ انه هناك حيث كنت تقف بالضبط. المكان النادر في العالم الذي يمكنه أن يتسع لنقيضين معا، أنت العنصري وسيدك ذاك السوري الحر الذي يعمل بجد ليعيش بكرامة ودون وصاية اسدية

Advertisements

Tags: , , , , ,

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: