استطلاع : أن تكوني أماً عزباء في تونس

 

قمنا بالترجمة عن الفرنسية للنص الآصلي عن مدونة الصحافية سناء سبوعى بعد أخذ موافقة المؤلف

 قدرنا آن هذا البحث الصحفي يستحق المشاركة بالعربية٫ وعلى وجه اختصاصنا واهتمامنا سورية٬ تحديداً نظراً لما يعانيه المجتمع السوري اليوم من ويلات وتفلت من كل أطر الحساب والمسألة على مستوى شعبي . ترتكب الانهاكات بشكل يومي بحق كل أطياف المجتمع السوري. ويقع عبء هائل من هذا العبث على كاهل المرأه السورية نظراً لطبيعة المجتمع التاريخية والتي زادتها الحرب ايغالاً في العمى والجاهلية. هذا البحث الصحفي قد يساعد بعض المنظمات والأفراد الذين أخذوا على أنفسهم/ن مسؤولية التصدي للانتهاكات بحق المرأة. فإن لم يفعل فهو يضيء على الأقل جانباً في غاية القتامة من علاقتنا بمفاهيم الشرف٫ المسؤولية٫ الحب٫ العقاب ! ما هو إلا اجتهاد يسير يأمل ممن لديهم حس مسؤولية فتح باب البحث والنقاش

فيما يلي نص المقال


 

mere-celib-680

تم نشر هذا التقرير في نسيان 2012 على التدوينة التونيسة “نواة” و منذ ذلك الوقت لم يتطور الواقع كثيرا

تقوم جمعية أمل للعائلة و الطفل منذ أكثر من عشر سنوات بمساعدة الأمهات العازبات في تونس.

في ظل مجتمع يمنع العلاقات الجنسية خارج اطار الزواج و يعتبر أن الحمل الناتج عن هذه العلاقات أمرا كارثيا، تعمل جمعية “أمل” على مساندة و دعم النساء اللاوتي يعشن هذه التجربة حتى تتمكن من تأسيس حياة جديدة. من أجل ذلك، تقوم الجمعية باستقبال الأمهات العازبات في دار خاصة لمدة ما يقارب الأربعة أشهر حتى تتمكن خلال هذه الفترة من استعادة قدرتهن على مواصلة حياتهن الطبيعية.

حين نتخطى عتبة هذه الدار(دار “أمل”)، ندخل عالما موازيا يملئه الحبّ و الفرح. كانت الساعة تشير للثانية ظهرا أي وقت القيلولة و الاسترخاء. كان المكان مليئا بالأطفال، بعضهم حديثو الولادة ينامون بسلام و بعضهم رضّع يلعقون أصابعهم الصغيرة و ينظرون الينا غير عابئين بما قد نحمله من أحكام حول وجودهم.” انهم مجرد أطفال، أطفال الحبّ” على حد تعبير سامية، مديرة جمعية أمل-الجمعية الوحيدة في تونس التي تقوم بمساعدة الأمهات العازبات و تشجعهن على الاحتفاظ بأطفالهن وهو ليس بالأمر الهين نظرا للعقلية المحافظة السائدة في البلاد-.

تشكل دار الجمعية التي تستقبل الأمهات العازبات حبل الأمل الذي تتعلق به هؤلاء النساء حتى تتمكن من استعادة أنفاسهن و تتعلمن كيف تؤسسن أنفسهن من جديد. لا بد من الكثير من الشجاعة لدخول هذه الحياة الجديدة و هنّ وحيدات. السيدة سعاد عبد الرحيم تتحدث عن هؤلاء الفتيات كمن يتحدث عن أمر مخز مما يجعلنا نتسائل اذأ ما نظرت مرة واحدة في عيون احداهنّ.

خلافا للفكرة السائدة التي تصور الأم العازبة كفتاة سهلة لم تبحث سوى عن متعة ليلة عابرة مع رجل ما، ان أغلب الأمهات العازبات هن فتيات مررن بقصص حب حقيقة و لكنهن وقعن ضحايا لثقتهن الساذجة بشركائهن الذين تخلوا عنهن بعد وقوع الحمل. معدلن أعمارهن 24 سنة وهن في الأغلب يقطن القرى و 20% منهن زاولن تعليم جامعي. في أغلب الأحيان يكون أب الطفل هو شريك الأم منذ زمن طويل أي تربطهما علاقة عمرها بين سنة و ثلاث سنوات مما يجعلها علاقة شبيهة بالعلاقة الزوجية. في الواقع لو أن المجتمع لا يحرّم المساكنة لما كنا لنتحدث عن هؤلاء الفتيات كمشكلة.

لقاء مع هؤلاء الأمهات في دار أمل

الحضانة. عالم مواز

“هنا الحضانة، تقول هاجر مشيرة بيدها الى البهو في مدخل الدار، النساء يذهبن الى أشغالهن كل اليوم و يتركن أطفالهن معنا”. هاجر هي مديرة الدار التي تستقبل الأمهات العازبات. تعد الحضانة خلال النهار ثمانية عشر رضيعاً يملؤون المكان بالابتسامات والتغريدات. هنا، الأطفال سعداء ولديهم أمّ. طوال النهار تقوم المشرفات بالاعتناء بالأطفال وسط بهو الاستقبال الكبيروالمشرق للدار. يوجد مهاد و أسرة أطفال في كل الأركان. يتم وضع الأطفال الأصغر سنّا جنبا الى جنب على الفراش. هكذا يجعلون منهم أخوة وأخوات. هكذا تتشكل عائلة جديدة. خلال النهار، بينما تنصرف الأمهات الى مشاغلهن، يكبر الأطفال بهدوء. الأمهات التي يتم استقبالهن في الدار يعملن أو يقمن بمزاولة دورة تدريبية. في المساء تأتين لأخذ أبنائهن و يقمن بالاهتمام بهم. هن مثل أي أم تترك ابنها بين ايادي آنسة مختصة برعاية الرضع.

” في الواقع، لا يوجد لدينا سوى ستة أطفال حاليا. البقية هم أطفال أمهات كن قد سكن سابقا بالمركز و لكنهم لا يزالوا بحاجة للرعاية. طالما أن الطفل لم يبدأ المشي نقوم بالاحتفاظ به عندنا. حين يبدأ بالمشي و يحتاج مكان أوسع و نشاطات أكثر، يذهب الى روضة أطفال” تقول هاجر.

ستة أطفال مقيمون و واحد في الأنتظار. درصاف، فتاة شابة التحقت بالمركز حدثيا و ستلد قريبا.

mere-celib2-680

القدوم. التوتر و الخوف

قدمت درصاف للمركز بعد أن حدثتها عنه صديقتها. كانت قد غادرت بيت أهلها منذ فترة وهي الآن تحاول الاختباء. المركز بالنسبة لها ملاذ.

خديجة قدمت حاملة ابنها بين ذراعيها “سيدة متطوعة بالمستشفى بعد ما سمعت عن جمعية أمل حجزت لي مكانا. حين أخبرتني أنه بامكاني القدوم، حملت أمتعتي القليلة من بيت أهلي و تحججت بأني وجدت عملا في الجنوب حتى أستطيع الرحيل فورا. لم أكن أعلم كيف سيكون وضع المركز و لكن كل ما كنت أريده هو أن أكون مع ابني”

أي امرأة في العالم تحلم أن تصبح أما، تتخيل أن فترة حملها و الولادة سيكونان أمران مثيلان. تتصور أنها بعد ذلك ستعود مع رضيعها و زوجها الى عش الزوجية للتعود و تستمتع بنشوة التعرف على هذا المخلوق الصغير الذي حملته أشهرا طويلة في أحشائها الى أن صار في حضنها.

واقع الأم العازبة مغاير تماما. عليها الاختباء أو ان لم يكن ذلك متاحا، فعليها مواجهة العائلة ونظرات الجيران وأحاديثهم المهينة. يجب أن تتعود العيش في قلق و شعور دائم بالذنب فهي وحدها في مواجهة “خطيئتها”، تبحث عن حل ولا تجده. تتضرع كل صباح الى الله أن لا يكون كل هذا سوى كابوس ستستيقظ منه. ترتعب كل ما رأت بطنها يزداد انتفاخا، تبحث عن ثياب بمقاسات كبيرة لتخفي جسمها الذي خانها والذي صارت تمقته. لا تجد أحدا لتروي له محنتها. لماذا لا يحمل الرجل أيضا “خطيئته”؟ لماذا يستطيع الهروب ببساطة؟ لماذا لا يستحيل عليها فعل ذلك؟

يصبح العار قوت اليوم. لذلك، الكثيرات منهن يخترن مغادرة مدنهن حتى تصبحن بلا هوية و بلا ذاكرة في مدينة أكبر. خلال أشهر، تتوالى على هؤلاء الفتيات تساؤلات و اختبارات عدة: تحتفظ بالطفل أو تتخلى عنه، تحمل انتقادات العائلة و غضبها، تخلي الكل عنها ..

“حين تصلن الى هنا، هن عادة في حالة اكتئاب و يعانين من عدة اضطرابات: القلق، التوتر، العدائية، اضطرابات أكل .. و كل ذلك ناتج عن شعور بالتخلي عنهن ان كان من طرف العائلة او الشريك .. اعمل كثيرا على الجانب النفسي معهن و على ثقتهن بأنفسهن حتى يسترجعن عافيتهن” تقول سميرة، الأخصائية النفسية بالمركز. ” تصلن الى المركز في حالة رعب، لا تعلمن شيئا عن المكان. يأتين من المستشفى -و هي عادة تجربة غير سهلة- معتقدات أن المركز سيكون بمثابة سجن ! بالنسبة لي، أول ما أقوم به هو طمأنتهن٫ التحدث إليهن٬ وجعلهن يشعرن بالارتياح. أقوم بأخذهن الى غرفهن و أقدم لهن الأغطية و مواد استحمام للأطفال و أشرح لهن طريقة العيش في المركز. يتمكن أيضا من لقاء والتحدث للفتيات الأخريات مما يجعلهن بعد ساعتين من وصلهن في حالة ارتياح تام” تشرح لنا هاجر.

لا بد من مساعدة هؤلاء الفتيات على التخلّص مباشرة من شعورهن بالذنب. العمل على استعادة ثقتهن بأنفسهن وتقبل أنهن امهات عازبات يبدأ من هنا. “نكتشف في هذه المرحلة أن الطفل يمكنه أن يعالج الأم لأنه يحبها بلا قيد أو شرط. بعد أن تخلّى عنها الجميع من حولها، هذا الحبّ يساعدها على أن تكون بحال أفضل لأنها كانت حتى الآن تشعر أن لا أحد عاد يحبها” توضح سميرة الأخصائية النفسية للمركز.

يتكون المركز في المجمل من 17 غرفة. تحتوي كل غرفة على سرير للأم و سرير للطفل كأنه ليس سوى لعبة. شكل الغرفة يعطي انطباعا بأنها غرفة فتاة صغيرة تحب أن تلعب لعبة “الأم و الطفل”. المكان تملؤه سكينة و هدوء، مشاعر لا تقدر بثمن. و لكن هل يكفي ذلك ليهدئ من روع هؤلاء الفتيات؟ من المؤكد أن ليلهن داكن حين تجدن أنفسهن وحيدات أمام مستقبلهن و بعد تجارب ماضية مريرة.

الولادة. الوحدة.

انها الخامسة بعد الظهر، الفتيات ترجعن واحدة بعد الأخرى من العمل. تجلسن على المقاعد في بهو الاستقبال، كل واحدة منهن تعتني بصغيرها. درصاف جالسة بين الفتيات وقد بدى على ملامحها شعور جليّ بالضياع. انها حتما تفكر في الولادة المترقبة. انها خائفة وهو أمر عادي بالنسبة لأي ولادة خاصة حين تكون أول مرة و تكون الأم صغيرة السنّ و خاصة حين لا يكون أحداً من أفراد العائلة ولا حتى الزوج حاضرا ليأخد بيدها.

بعض الفتيات تتحدثن عن سوء معاملة من طرف الأطباء أو عن ممرضات تتعمدن الأساءة و القاء الأحكام. يطلقون على المولود لقب “حالة اجتماعية” بدل تسميته باسمه. ان الولادة اختبار صعب وعادة ما نظن أن الأم ستحظى بأكبر قدر من الرعاية و لكن يبدو أن الأمر في في الواقع ليس دوما كذلك. الأحكام الأخلاقية تحاصر الأم في كل التفاصيل، في النظرات، في المعاملة الجافة من طرف بعض الطاقم الطبي و خاصة في الغياب: أن تلد الأم وحدها يعني أن ترك المجال مفتوحاً على كل الأحكام المسبقة.

يعد هذا، يحلّ وقت الاستجواب. كم رجلا عرفت؟ مع كم رجل أقمت علاقات؟ هل أنت متأكدة أي منهم هو الأب؟ بعد الولادة تأتي مشرفة اجتماعية وممثل عن وزارة الداخلية للتحدث مع الأم. بعضهم يتعاملون بلباقة، و بعضهم يتحولون الى قضاة ويستعملون الفاظ بذيئة. يمكننا أن نتخيل نظرات الازدراء في عيون هؤلاء الموظفين التي تقوم الدولة بدفع رواتبهم لحماية الأطفال. منذ اصدارقانون رقم 75 لسنة 1998 ﺍﻟﻤﺘﻌﻠﻕ بوجوب اسناد ﻟﻘﺏ ﻋﺎﺌﻠﻲ ﻟﻸﻁﻔﺎل ﺍﻟﻤﻬﻤﻠﻴﻥ ﺃﻭ ﻤﺠﻬﻭﻟﻲ ﺍﻟﻨﺴﺏ، صار لازماً اثبات نسب كل الأطفال المولودين بتونس. لذلك يقوم أعوان في وزارة الداخلية بالبحث عن الأب استنادا لأقوال و تصريحات الأم.

“في الواقع، يسهل عليهم التفرقة بين الفتيات اللائي كن بعلاقة مع شريك ثابت و اللائي كن مع عدة شركاء لأنهم في الغالب يعرفنهن” توضح خديجة.

هذا “التوثيق” عند أعوان الداخلية هو أمر اجباري. توجد لجنة وطنية مكلفة بمتابعة ملفات الاطفال الناتجين عن العلاقات خارج اطار الزواج و تستند على تعداد أعوان الداخلية للتعرف على هؤلاء الأطفال. كما يصلح هذا التعداد الذي يقوم به أعوان الداخلية لمعرفة الفتيات اللاتي يعملن بالدعارة في حال أنهن لم تكنّ معروفات مسبقا لدى الشرطة والاطار الأمني. هذا ما يمكن على الأقل تقديره.

بالنسبة لخديجة لا يمثل الأمر مشكلا فهي تعرف تماما هوية أب ابنها، فهي لم تكن على علاقة مع غيره وهو ما يجعلها مطمئنة بالنسبة لنتائج فحص الحمض النووي الذي سيتم اجرائه. تعلم أن ذلك سيمكن من اسناد نسب لابنها.

المركز. اعادة التأهيل

“نستقبل الفتيات لمدة أربعة اشهر عادة و هي الفترة اللازمة حتى تعدن الى حالة استقرار و هو الأمر الأكثر ضرورة. حين يقررن الاحتفاظ باطفالهن، لابد من أن يجدن طريقة للاستجابة لحاجياتهن” توضح هاجر، مديرة المركز.

في الواقع، يوجد شيء ما مريح في نظرات هذه السيدة. شيء ما يدعوك لليقين أنها قادرة على انجازات رائعة. في الواقع، هي لا تصدر حكما على هؤلاء الفتيات. هي هنا فقط لمساعدتهن ولا تحاول التأثير على رأي أحد. الهدف من جمعية أمل هو أن تحتفظ الأمهات العازبات بأبنائهن وأن تنجحن في تأسيس حياة مستقرة.

“حين تصل الفتيات، نساعدهن على ايجاد عمل. لا يمكننا أن نقدم لهن شيئا و لكننا نوجههن في عملية البحث. مثلا، أحيانا يأتي إلينا بعض الناس للبحث عن معينة منزلية مقيمة أو فقط معينة منزلية.”

النساء لن يحصلن على مستقبل احلامهن أو عمل براتب عال ولكن ما قد يساعدهن على مواصلة الحياة وهو عبارة عن عمل غير رسمي يأمن لهن دفع الفواتير والأكل ولا شيء أكثر. النساء اللاتي لا تتمكن من الحصول على عمل فورا، يقررن مزاولة دورة تدريبية كالحلاقة أو مشرفة منزلية أو اخصائية في صناعة حلويات.. مما يساعدهن على ايجاد عمل لاحقا.

في المركز، الفتيات، تتعلمن أيضا أن تصبحن أمهات. “ نعلم الفتيات لأن لا أحد علمهنّ كيف تقمن برعاية الرضيع، عملية اطعامه، حمامه، أعطائه الدواء .. و نركز كثيرا على النظافة لأنه أمر مهم بالنسبة لنا”. توضح هاجر

تهتم سميرة بجانب آخر. بعد عودة الأمهات من العمل و تبدأن الاهتمام بأطفالهن، تركز سميرة اهتمامها على العلاقة بين الأم و طفلها.

“تصل الأمهات هنا وهن لا تعرفن شيئًا. هن هشات نفسيا وغير قادرات على الاهتمام باطفالهن. نعلمهن كيف يقمن بذلك مع التركيز على ثقتهن بأنفسهن. نحاول اكتشاف مالذي تريد الفتيات فعله وما هي مجالات اختصاصاتهن حتى نسلط الضوء على قدراتهن فهن غير قادرات على اكتشاف مهاراتهن و مواهبهن. و الحال أن، كلما ازدادت ثقتهن بأنفسهن، ازداد عطائهن ورغبتهن في الانجاز و الاهتمام بأطفالهن.”

تقضين أيامهن كأي أم عادية، في الصباح يتركن أطفالهن في الحضانة و يذهبن الى أعمالهن و في المساء يعدن للاهتمام باطفالهن و يأسسن لحياة عائلية. في المركز، يتم مرافقة الأمهات في تعلمهن و هو امر مهم للغاية فحين نكون الراعي الوحيد للطفل لا يمكننا الا أن نعول على أنفسنا و لا مجال ابدا للتردد.

mere-celib1-680

العائلة. الشعور بالذنب.

خلافا للأمهات المحاطات بأمهاتهن وأخواتهن وخالاتهن، فان الفتيات في المركز وحيدات. لا أحد يساعدهن أو يعلمهن كيف يمكنهن الاهتمام بأطفالهن. بسبب مفهوم الشرف، نتخلى عن أحبتنا. يا له من مفهوم ساخر. أليس من العار أكثر أن نتخلى عمن هو بحاجة لمساعدتنا له؟

يصعب على الفتيات تقبل فكرة الانقطاع عن عائلاتهن و يشعرن بفراغ كبير فأغلبهن كن يعشن مع آبائهن و أمهاتهن وأخواتهن قبل أن يصبحن أمهات. “أنا اشتاق كثيرا لعائلتي، تقول خديجة، و لكنني حين أرى ابني أنسى كل شيء، هو كل شيء بالنسبة لي و هو سعيد لأنني معه”. حينها أدار حسني وجهه نحوها مبتسما كأنه يأكد كلامها. هل هو سحر المصادفة أم غريزة بين الطفل وأمه؟

“حين نتحدث للفتيات، نتفطن مباشرة أنهنّ تعانين من فراغ عاطفي و كان لديهن مشاكلات في علاقاتهن بعائلاتهن” تقول سميرة، الأخصائية النفسية. و هو ما قد يبرر بالنسبة لسميرة هذه الرغبة الدفينة وغير الواعية في انجاب طفل٬ فالبنسبة لها كل الاطفال ينتحون عن رغبتنا في انجابهم. “الموضوع يتعلق كثيرا بالثقة في النفس، فمثلا الفتاة التي تعاني من علاقات متوترة مع أفراد اسرتها تعاني من نقص في الثقة بالنفس مقارنة بفتاة على علاقات جيدة مع عائلتها” تقول سميرة.

انها تعمل في المركز منذ ست سنوات. عودت اذنها على الاصغاء لما لا تبحن بها الفتيات. كل ما تراه هي حاجة هؤلاء الفتيات لتأسيس عائلة جديدة بعد أن أنهارات كل الروابط التي تجمعها بعائلاتهن الأصلية.

هذه الروابط تتفكك على عدة مراحل، قبل الانجاب اذا ما كانت طلبت العائلة من ابنتهم الاجهاض أو التخلي عن الطفل و تعارض ذلك مع رغبة الفتاة، وبعد الانجاب حين تقرر الأم الاحتفاظ بالطفل فلا يأتي أحد لمساعدتها.

الكثير من الفتيات يقررن اخفاء الأمر حال اكتشافهن للحمل. سعاد كانت تعيش بالأصل في مدينة بعيدة عن مكان سكن أبويها فلم تجد عناءا في الاختفاء. كانت تكتفي بمهاتفتهما بين الفينة و الأخرى. رائدة، اختارات أن تحزم أمتعتها و ترحل قبل موعد الولادة لأنها الصيغة الوحيدة الممكنة للاحتفاظ بالطفل.

” لم أخبر عائلتي بشيء، تقول لطيفة، ابني يبلغ من العمر سنة و نصف و كنت قد غادرت بيتنا منذ سنتين، و لا أحد من اقربائي يعلم ان لدي طفل.” لكن الرحيل لا يضمن العيش بسلام. هن في أغلب الأحيان تأتين من منطقة الشمال الغربي. تصلن الى العاصمة تونس حيث بامكانهن أن تختفين وتبحثن عن عمل دون أن يتمكن تقريبا أحد من التعرف عليهن أو محاسبتهن. رغم ذلك يلازمهن حيثما التفتن شيء من الهوس و الخشية بأن تلتقين بأحد معارف العائلة مما قد يفضح الحقيقة.

اضطرت خديجة أن تخبر خالتها عن حملها كي ترافقها أثناء الوضع. أمها و أختها تعلمان أيضا الأمر و لكن أباها يجهله. “علم أخي الأمر و قرر أن لا أعود الى المنزل كي لا أجلب العار للعائلة”.

الشعور بالذنب والندم يرافقهن في كل مكان. العار يحاصرهن. يستحيل عليهن ايجاد السلام مجددا.

الفتيات، تخلت عنهن عائلاتهن، شركائهن، أصدقائهن و كل المجتمع. يتصارعن بين حبهن لعائلاتهن و احترامهن لأبائهن وأمهاتهن من جهة و شعورهن بالذنب وحبهن لأطفالهن من جهة. يساورهن أحيانا شعور بالتعب و لكنهن تتعلقن من جديد بالحياة حتى تتمكن ما اعالة أطفالهن. كلما نظرت عفاف الى ابنها أوحت لنا أنها تحدثه “أنا أنسى نفسي من أجلك، أتخلى عن حياتي الماضية و أحاول أن أواصل الوقوف حتى تتمكن أنت من المضي قدما”.

الأب. الكذبة

أكثر ما يحز في أنفس هؤلاء الفتيات هو أن يتخلى عنهن الشريك، رجل أحببنه فكذب عليهن. اكتشفن متأخرا أنه متزوج، خاطب أو أنه أخفى هويته الحقيقة. تخيلي نفسك مكانهن، مهانة، متألمة أمام شرطي يخبرك أن الرجل الذي تحبينه ليس بالرجل الذين تحسبين نفسك تعرفينه.  

حين يختفي الأب، تشعر الفتيات بالمرارة. تقوم الشرطة بعملية البحث عنه لتحل المشكلة. تشعر الفتيات في الاثناء دوما أنهن محاصرات فهن يرين دوما هذا الأب في وجه طفلهن. ولكن حين لا يكون في الأمر خداع فان المواجهة تكون ممكنة “حين اكتشفت أمر الحمل، لم يصدق شريكي الأمر. كنا على علاقة منذ ثلاث سنوات و لم يقع الحمل ابدا على مدار هذه السنوات رغم أنني لا أتناول حبوبا لمنع الحمل” تقول خديجة “فقط حين أجبرته الشرطة على القيام بتحليل الحمض النووي، تأكد انه الأب”.  

في غالب الأحيان ايضا تقف عائلة الأب ضد الزواج و تحمل أي مسؤولية كأنما الحمل لا يمكن ان يقع الا بخطأ من المرأة. كان الأب ليس شريك فعلي في حدوث الحمل.

يستغرق الأمر وقتا طويلا حتى يعترف الآباء بنسب أطفالهم و حتى بعد صدور نتائج تحليل الحمض النووي، يتطلب الأمر وقتا كي يأتوا لرؤية اطفالهم أو طلب صورة أو حتى قيام باتصال هاتفي للسؤال عن أحوالهم. تبقى الفتيات وحيدات في صراعهن للاعتراف بأطفالهن. هن وحيدات بعد أن تخلى عنهن الرجال الذين أحببنهم. من المؤكد أنها المرحلة الأكثر ألما في هذه التجربة.

البعض منهن ينتهي بهن الأمر بالزواج من الأب و تأسيس حياة، و لكن في أغلب الأحيان يبقى هذا الرجل حبهن الوحيد. يبحثن في غالب الوقت وبعد هذه التجربة المريرة عن الاستقرار والأمان غير مكترثات لرغباتهن فقط حتى تتمكن من منح أب لطفلهن.

mere-celib3-680

الطفل. الحب

أول ما يتعلمنه الفتيات هنا هو أن يحببن أطفالهن و ليس أمرا سهلا فخلال الحمل تكون الفتاة فقدت كل توازنها النفسي.

“أعمل أولا على العلاقة بين الأم و طفلها ففي البدء تنفر الكثيرات منهن من أطفالهن و يسقطن عليهم شعورهن بالذنب والمهانة و الخطأ. الكثير منهن يشعرن بالدونية و يعتبرن أنفسهن أقل قيمة من اللاتي لم تتعرضن لنفس التجربة.” تقول سميرة الأخصائية النفسية للمركز.

حين تتمكن من التصالح مع ذواتهن و يستعدن ثقتهن بأنفسهن، يستطعن الانفتاح على الآخر. و هنا يبدأ جزء جديد من العملية النفسية و هو الاعتراف، الاعتراف بالطفل أولا.

” لا أريد أن يكون ابني ..، ..، حتى أنني لا أريد أن أتلفظ بالكلمة. أن هذا الأمر يحزنني” خديجة لا تريد لابنها أن يكون لقيطا، هذا كل ما في الأمر. حين كانت نتيجة فحص الحمض النووي ايجابية، شعرت خديجة بالارتياح أن ابنها تم اثبات نسبه و سيكون له سمعة شبه طبيعية. في الواقع كل الأمر يكمن في السؤال: هل أنت عاهرة تقيم الكثير من العلاقات و تنجب منها الكثير من الأطفال؟ أم أنك مجرد فتاة أحبت رجلا و وقعت في فخ أكاذيبه؟

حين تمتنع الفتاة عن كشف هوية الأب الذي يبقى مجهولا، يقوم القاضي باسناد لقب عائلي للطفل حتى لا يعلم أحد في المستقبل أن أمه انجبته خارج اطار الزواج و يجنبه بذلك كل ما قد يسيء له لأنه مجهول النسب. إسناد لقب عائلي للطفل هو حل عملي في مجمتع منغلق كهذا كأنما لقب الأم لا قيمة له، كأنها لا تكفي و هي التي تربي وحدها طفلها.

المشكلة الثانية الذي تحتاج معالجة هي مشكله التخلي عن الطفل “الكثير من الأمهات تتركن أطفالهن في المشافي ريثما تجدن حلولاً أكثر استقرارا.” تقول هاجرمديرة المركز. هذا جرح آخر على الفتيات تضميده. هل سيتذكرنا طفلنا؟ هل سيسامحنا يوما لأننا أهملنا أياما أو أسابيع أو شهور؟

تعتقد سميرة أن الحبّ بامكانه معالجة الكثير من الأشياء “حين نكون في عائلة عادية، يقوم أهلنا بالاعتناء بنا و نلتمس حبهم في معاملتهم حتى لو لم يصرحوا عن  هذا الحب بوضوح٬و هذا تماما ما نعمل عليه هنا. نفسر للأمهات أن عليهن أن يعبرن لأطفالهن عن حبهن. منذ عمر السنة و النصف يستطيع الطفل استيعاب 50% مما نقوله فهو بالتاكيد يفهمنا حين نعبر له عن حبنا” الأمهات العازبات يقمن بدور مضاعف تجاه أطفالهن. و بسبب حبهن يجعلن من أطفالهن أطفالا متوازنين و مستقرين قادرين على النجاح الدراسي. “الكثير من أطفال المركز متميزون في المدرسة و هذا رد جميل بالنسبة للأم” تقول سميرة، مديرة الجمعية.

المغادرة. الشجاعة

حين تتمكن من استعادة الاستقرار وايجاد عمل وشقة صغيرة، تقوم الفتيات بمغادرة المركز. عفاف مثلا ستغادر قريبا٬ أي خلال أيام ستحمل معها ابنها ذو الشهور السته وتتقاسم مع أم أخرى شقة صغيرة . “عادة ما تغادر الفتيات في مجموعات من اثنتين أو ثلاثة حتى لا تشعرن بالغربة وتتعودن تدريجيا على الحياة خارجا” توضح هاجر.

المغادرة تعني مواجهة الواقع. أولا الواقع المادي “نقوم في االبداية بمساعدة الفتيات، نقدم لهن فوط للأطفال و بعض الطعام. نقوم بالتأكد أن شققهن الجديدة جيدة ثم تقل المساعدات تدريجيا حتى تتعودن إعالة أنفسهن كما في الحياة العادية” تقول هاجر.

الأمر أشبه بالقفز العالي في الفراغ ولكنه قفز محكم فخلال الأشهر الماضية٬ تعلمت الفتيات كيف تكن صاحبات مسؤولية. “آجار السكن باهظ بالنسبة لي وحدي٬ وحتى لو تقاسمت الآجار مع شخص لست متأكدة أنني سأكون قادرة على تسديد المبلغ خاصة أنني سأكون بحاجة لاقتناء الحليب و فوط الأطفال و غيرها..” و دون أن تواصل استحضار قائمة حاجياتها كاملة، تدرك عفاف أن لا شيء سيبقى من راتبها حتى آخر الشهر وبذلك ستضطر حتما لايجاد عمل اضافيّ حتى تحسن وضعها المعيشي. هل هو القرب الجغرافي من المركز و الحضانة أم أنه الشعور بالأمان أم أن رابطا ما نشأ فجعل من أغلب الفتيات يقررن الاستقرار بنفس هذا الحي؟ “في المحصلة، نحن عائلة كبيرة و حين تغادر إحدى الفتيات تترك ورائها فراغا كبيرا” تقول خديجة “العائلات المجاورة في الحي تقمن بتأجير غرف للفتيات لأنهن يعرفنهن و هو أمر عملي بالنسبة للفتيات حيث بامكانهن بهذه الحال ترك أطفالهن عندنا في الحضانة حين يذهبن الى أعمالهن دون ان تتكلفن عبء و تكلفة الطريق” توضح هاجر.

حين تتمكن الفتيات من مغادرة المركز فهذا يعني انهن نجحن في مشوار العلاج النفسي، إن تقديرهن لأنفسهن يتطور. أن تكوني أما عزباء أمر يحتاج الشجاعة “إنها حرب ضد العالم كله، ضد المجتمع، ضد العائلة، ضد الأب .. و لكن بالنهاية لكل منا أمه، إنه أمر تتقاسمه كل البشرية فلا شيء آخر يهم ..” تقول سميرة. لا يهم ما يقال عن الأمهات العازبات. لا يهم إن أخترن تربية أطفالهن بمفردهن أو مع رجل. لا يهم ان كان عددهن مرتفع نسبيا، إن كانت أعمارهن متقدمة .. الأمهات العازبات كن و لازلن موجودات. كل ما يجب أن نكترث له هو أنهن أمهات.

تشير الساعة للسابعة مساءا، الفتيات أنتهين للتو من الأعمال المنزلية و ترتيب المكان، سيذهبن لتناول العشاء. في الخارج يسهر قيس على حراستهن كجد حنون. إنه الرجل الوحيد في المركز. يجلس على كرسي قديم من البلاستيك متجاذباً أطراف الحديث مع الجيران. حين تعود كل الفتيات الى الدار، يوصد الأبواب و يغادر. إنه وقت أخد قسط من الراحة فالحياة ستتواصل غدا.

سناء سبوعي

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: