Archive | Culture & Social RSS for this section

سوريا تختار: سمير ومحمد أم إنحطاط فكري وأخلاقي عميق؟

Samir and Mouhamad Damascus Syria
بالرغم من مرور سبع سنوات على إنطلاق ثورة التغيير للأفضل في سوريا، لازال من الصعب حتى يومنا هذا معرفة -أو على الأقل تقدير-  حجم المشاركة الثورية الفعلية في هذا التغيير الهائل. قد تبدو هذه العبارة الاستهلالية في شيء من تناقض ظاهري مع ذاتها. إذ كيف يجوز اقتراح نقاش “ثورية” -“ثورة”؟ غير أن هذا التناقض هو جزء من النقاش في حد ذاته ولهذا لا يجوز اعتباره توصيفاً له. أوليس هذا حال أغلب مصائرنا وهوياتنا نحن السوريون منذ أعوام: التناقض.
وحين نفكر بثورية الثورة فإننا نتحدث حتماً عن ثورية الأشخاص المُنتجين لها. وعليه فالسؤال : ما هي فعلية “ثورية” مطلقي الثورة ومنجزيها ومكمليها وتاركيها. وهو سؤال ينطلق من قلق أبوي وأمومي عميق لا علاقة له لا من قريب ولا من بعيد بتوصيف شرعية أو اضفاء قبول أوسحبه أو منح صكوك رضى أو شهادات ثورية كما جرت العادة في تقزيم كثير من الأسئلة المشروعة عن مآلات وديناميكيات الصراع الثوري في سوريا.
هو سؤال مصدره القلق، والقلق دوماً مشروع، بل هو ضرورة وجودية. حتى وهو في ذروات حالته المرضية، بل لعله الأكثر مشروعيةً هناك.
وهي مسألة غايتها البحث عن حلول : عن استفاضة في صنف من صنوف الأمل الذي جففت منابعه تتاليات القمع وتعدد أدواته
كم ممن شاركوا في الثورة السورية هم فعلاً ثوريون؟ الشيء الأكيد الذي طورناه خلال السنوات الماضية هو قدرتنا على الرقابة الذاتية لكن لحدود “القمع”! صار إعطاء رأي لا بد وأن يسبقه قائمة طويلة عريضة بالحسابات و التخيلات فتقدير العواقب فالتحليل والتأويل قبل أن “نُعَبِر” عن أنفسنا وأفكارنا ومكنونات وجداننا بل وتشظيات خيالاتنا المريضة والمنهكة والساذجة والحالمة! وكأنما الشرط الموضوعي لأي تعبيرإنساني بات “رضى الجميع”. وهل من غنيمةٍ لأي نظام قمعي في العالم أكبر من هذه؟ أن نراقب أنفسنا بمنتهى القسوة لا بدافع أخلاقي ذاتي بل تحسباً لرضى الجماعة! هل هناك قطيعية أفضل من هذه تناسب رعاة البقروالأغنام؟ ومع أننا منذ الصف الأول الابتدائي او أكتر قليلاً قد تعلمنا أن “إرضاء الناس غاية لا تُدرك” لكن هناك حالة عامة من الإصرار على الظفر بالرضى الاجتماعي الكلي ما أمكن. والمشكلة هي أن هذا “الجميع” صار بحكم التشرذم والتشظي الاجتماعي مقتصراً على “مجموعتنا” الضيقة. شيِء يحاكي تضاريس القبيلة وديناميكياتها إلى حدٍ كبير. لم يعد الانغلاق في مجموعات تناسب ميلنا مقتصراً على موالاة ومعارضة وعلم بنجمتين أو ثلاث بل ذهب التشرذم بنا أبعد بكثير ونال منا التقطيع والتفتيت ما نال. وعن حسن نية بفعل جهل أو كيد اجتماعي أو عن سوء نية عملاً بغاية “فرق تسد” فقد تقطعت أوصال البلاد إنسانياً قبل أن تتقطع مادياً. وربما يكون مبكراً اقتراح أن جل التقطيع المادي قد مهد له ذاك التفتت الأخلاقي وإن كانت فرضية في هذا الاتجاه لاتشكو من شيء في حد ذاتها.
خلال السنة الماضية عملت على  بضع قضايا  كانت محل خلاف بين السوريين، وبجهد بسيط  توفرت اثنان وستين منها! بحساب بسيط هذا يعني أننا كسوريين أمام خلافات حادة بمعدل مرة كل أسبوع ! هذا ليس تفتيت ممنهج فحسب لوطن وشعب، بل هو إدمان على المستوى النفسي الفردي للمقت والكراهية و”المشاكل”. تدمير فردي حثيث على مستوى فردي نفسي قبل أي شيء آخر. كان ذاك نتاج جهد فردي لا يتجاوز 8 ساعات يومياً لمدة عشرين يوماً. يمكن تخيل الحال لو توفر جهد بحثي أعمق وفريق عمل. أكيد سيكون عدد القضايا الخلافية أكثر من 62 قضية. بدأت التجربة حين نشر راديو سوريالي فيديو لصبية بمناطق خاضعة للنظام! حدث يومها  استنفار هائل – وكان في كثير منه مصدره نشطاء وعاملين في منظمات حقوقية!!!- تم التهجم على حرية تعبير الفتاة وعلى الراديو. الراديو “للأسف وللأسف الشديد” إضطر للاعتذار أمام هذه الهجمة الشرسة والتي كان بعض من فرسانها زملاء لنا في مجال “حقوق الإنسان” بالطبع كانت تلك نكسة جديدة لحريات التعبير بسوريا. فقد انتاب فريق العمل في “سوريالي” ارتباك إذ وجدوا أنفسهم وأنفسهن في مأزق صدامي مع تعريف  “حقوق الإنسان”، إذ كيف يمكن لمنظمات حقوقية إنسانية ومنظمات توثق لانتهاكات حقوق الإنسان أن تكون في مواجهة “حريات التعبير” إلى هذا الحد. لكن هذا النقاش العام “الهام بشكل كبير” فتح الباب واسعاً على سؤال هام : ما (ليس من) هو هذا الإنسان الذي نحن طوال الوقت مطبلون بالدفاع عن حقوقه!؟  وهذا النقاش العام وإن كان قد انتهى بنكسة للإعلام الناشئ إلا أنه أظهر مجدداً الأدوار الحقيقية التي يفترض بالإعلام أن يلعبها في المجتمع.  كان لا بد من تتبع حالات أخرى تشكل صراعاً بين السوريين، إذ كان واضحاً أن الهدف من النقاش والضجيج لم يكن-مطلقاً- النقد للبناء وإنما النقد لدوافع ثأرية أو لضعف في العقلية النقدية و رغبة في التفريغ النفسي عن الظلم والهزيمة و الفشل بمحلات تانية (وهاد مفهوم و مرات كتيرة مقبول من منطلق الأخوية).
لكن في أماكن أخرى كان للنقد أسبابه الموضوعية فهو مستند لإشكاليات تعريف الهوية وعلى رأسها “تأثير المجموعة” وخصائصها
نحن إذاً أمام رقابة مركزية قاسية، تجنباً للقمع واستمالةً لرضى المجموعة. المشكلة تصبح أكثر حساسية حين يصير هناك مستوى مرتفع جداً من الرقابة الذاتية يصل لحد القمع! و لما بيصير في نكوص في التوجهات التقدمية التحررية ولما بتنغلق الناس بمجموعاتها وبتشتغل بما يُعرف بال
in group favoritism
أو تفضيل رفاق المجموعة بيكون شكل قبلي من حرارة الدماء و رفض لمن هم خارج المجموعة فهالشي كله بيأدي لنتائج كتير سيئة وأهمها “نوعية” المحتوى المنتج.
جل إنتاجنا السوري المعرفي الرقمي على الأقل خلال السنوات الماضية “منحط” (لا يمكن استخدام صفات أو عبارات تلطيفية لتوصيف مرض في غاية الخطورة، وإلا فإن ذلك سيكون تضليلياً وقليل الأمانة أكثر منه أسلوبياً ومتحلياً بالكياسة الاجتماعية اللفظية). وحيث أن جُل إنتاجنا “منحط” فبالتالي فإن جُل استهلاكنا “منحط” أيضاً. وعليه فالبنى الاقتصادية والاجتماعية الثقافية المحمولة “هشة” وفي آيلة للسقوط. نحن لا نمر اليوم بأزمات سياسية أو حقوقية أو اجتماعية أو اقتصادية، نحن نمر بهذه كلها مجتمعة والنتيجة أننا نشهد “مرحلة إنحطاط فكري” ! نحن نعبُر”صُناعاً مشاركين بتعابيرنا ولغتنا وسلوكنا إلى حد ما” في زمن إنحطاط فكري وأخلاقي هائل الوقع. وأكثر شي يجمعنا صار حديث عن لعبة كرة أو طبخة. فإذا كان لا بد من لحظة للتجلي الإنساني فلابد وأن تكون بكاءً على أطلالنا! أسترسالاً في الندب والنوح واللطم والحسرة.
انتقلنا بانزياح تدريجي من البحث عن الحرية والعدالة لنقاشات تافهة و لتصيد بماء عكر ولأجندات رخيصة بلا أي أهداف استراتيجية بعيدة وبنقاش لا يسعى للبناء وإنما فقط لتكسير المجاذف ووضع العصي في الدواليب. نحن -ولا أبرئ كامل هذا المقال من هذه الجريمة- نراكم الفشل و نُنتِج الإنحطاط يومياً. لقد كان الفشل في تحقيق أهداف “غير ممكنة” أنتجها وأعلنها وسوقها عدد من السياسيين التافهين من خارج سوريا وحملوا الشعب أمانة السعي إليها ضمن صيرورة التغيير ما أدى لشعور هائل بالاحباط! ثم ما تلى من ظروف القهر والتشتت والغربة والبقاء تحت القمع كلها ظروف أدت للتركيز على الأنا والغرق في الحنين والانغلاق في مجموعات ضيقة “نظن” أنها “تشبهنا” و بالتالي تشكل لنا مناطق راحة للاستجمام والتنكيت و”التقفيل” والغباء و”حيونة” الآخر أو بالمقابل لاعتبار شهادة عليا من جامعة أوروبية نصر مظفر على الأعداء أو بيان صادر لمنظمة حقوقية هو “بروظة” و “تقسيم” واستعراض عضلات “أبوي سلطوي” يتقنع بال”حقوقية” أمام أشقاء الكار.
لتجليات “الإنحطاط الثقافي الأخلاقي” السوري ملامح كثيرة. وسأحاول تناول بعضها تدريجياً ضمن سلسلة “نقد الثورة السورية العظيمة؟” وسأستهل بعض تلك الملامح بمقال يحمل عنوان “مطبخ غربة: الانشقاق بعد الأخير”. تجربة “مطبخ غربة” كانت استثنائية. مشكلتها كأي من سواها في حالنا السوري أنها لم تراعي فكرة فلسفية بسيطة “كل ما نفعله في هذا العالم هو سياسة” ولذلك رُميت بالحجارة أول ما بلشت تثمر.
يقول المثل السوري الأليف “الام بتلم” وحيث أن الأم قد أُشبِعت انتهاكاً وضرباً وتعرضاً ورمياً بالحجارة وبالبغضاء خلال ما خلى من السنوات فإنه سيكون من الظلم للنفس تصور إنتاج أي بيئة اجتماعية تحضن و”تلم” السوريين من دون أن نطرح على أنفسها سؤالاً يبدو حيوياً في  حياة السوريين “بالنسبة لبكرة شو؟” أي انتاج لأي مُتنَفَس تعبيري اجتماعي
social sphere
يحظى بمفاهيم الموافقة و الرضى الجمعي لا بد وأن يضع في جوهر تصميمه هذا السؤال، وإلى حين يمكن التوافق على الأقل على مستوى “القاع” الذي سنسمح لأنفسنا بالانحطاط نحوه فإننا سنستمر بالإنهيار. وقد تكون قاع البحر الأبيض المتوسط التي استقرت فيها عشرات جثث السوريين هرباً من قيعان سجون الظلم والقمع لنظام الأسد بالمقام الأول أعمق نقطة وصلنا لها مادياً حتى اليوم لكن بالتأكيد الأعلى إنسانياً. وقد تكون شبكات التواصل الاجتماعي ذات البنى “المتماسكة”والمضاءة بسكل لافت مسرحياً هي الأكثر اشراقاً لكنها حتماً من أكثر الأمكنة اتساخاً وإعتاماًَ وبشاعة. ولا يبدو أن تقفي لغاتنا وتعبيراتنا عليها بالأمر الهزلي او البسيط. فهي مرآة لحقيقتنا البشعة وتؤرخ بكل صدق لاتساخنا الاختياري إلى حد ما
وفيما بقترب هذا النص من نهايته أي موته الأول، وفيما لو كنت لازلت فيه فقد يكون خانقاً أكثر مما يمكن لنفسٍ مهما كانت سعتها احتماله إليك الهدية. ففي كل “شرخ فرصة لانسياب شعاع نور”. تقول الحكاية الواقعية من دمشق- سوريا عام 1899 أن الرجل المحمول في الصورة كان “مُعاقاً” اسمه سمير. سمير كان مسيحياً. غير قادر على المشي. يحمله مُحمد على ظهره. أما مُحمد فقد كان ضرير البصر. سمير كان يرشد مُحمد للطريق ومُحمد كان يحمل سمير على ظهره في تنقلاتهما. سمير كان حكواتي يروي القصص في قهوة دمشقية و محمد كان بائعاً للبليلة على باب القهوة. يعودان كل يوم في المساء للبيت. بعد أن توفي سمير مكث محمد في بيته سبع أيام بلياليها يبكيه بلوعة. وجد الجيران مُحمد ميتاً في البيت في اليوم الأخير.
والسؤال ربما، هل نكون عيوناً لبعضنا بعضاً لا عيوناً تترقب سيئات بعضنا؟ هل سنستمر “بفركشة” بعضنا ووضع العصي في الدواليب أم أننا سنحمل بعضنا بعضاً حتى النهاية؟
Advertisements

ربطة عنق فيصل شنقتنا

Faisal Qassem

لازلت أذكر ملياً كيف كنا ننتظر حضور فيصل. عند المساء. ذاك المساء. كل ثلاثاء كنا نستعد لزيارة فيصل لنا. كان فيصل مثيراً للاستغراب. لم يكن ذلك فقط بسبب الطريقة الدقيقة التي كان يسرح بها شعره وذاك الفرق الذي يصنعه بمنتهى الاتقان فيه، ولا بسبب ربطات عنقه المزركشة وغير المتناسقة غالباً مع ثيابه وإنما لسبب آخر تماماً. ورغم اكتشفنا لاحقاً أن فيصل كان يعتمر شعراً مستعاراً، ورغم أنه لم يحدث وأن فاجأنا يوماً بحضوره ببدلة عنق تتسق ولو بالحد الأدنى مع ألوان ثيابه الأخرى لكن ذلك لم يغير من انتظاراتنا لفيصل بفارع الصبر كل أسبوع. كان فيصل مثيراً للاستغراب فقد كان في كل مرة يحضر فيها يُشعِل معركة، ويجلس في منتصفها دون أن تصيبه شرارة منها. ولا حجر طائر ولا حتى حصوة. كان مثيراً للاستغراب أكثر لأنه كان ينتهي دوماً من المعركة بود شديد بشكر المتقاتلين  اللذان يردان بدورهما بشكره ثم يذهب كل في طريق. اثنان منهما حاقدان على بعضهما بشكل يمكن للجميع ملاحظته وفيصل مبتسماً و مستعداً للزيارة المقبلة. الأكثرغرابة هو أننا لم نكن وحدنا من يشهد تلك المعارك التي يرتبها و يشعلها فيصل. كان جيراننا يفعلون مثلنا. كان الوطن يفعل ذلك. كان ملايين من سكان المنطقة يفعلون ذلك. فيصل كان يزور ملايين البشر كل اسبوع. ولم يكن أحد يعلم من هو هذا الفيصل الذي كان يبدو وكأنه دمية آلية من الشمع. كل شيء فيه مُصمم باتقان بالغ. من تسريحة شعره المستعار، مروراً بطريقة إصلاحه بأطراف أصابعه لمكان نظارته وعبوراً بربطات عنقه الخارجة عن سياق كل شيء وصولاً لبراءة متكلفة قادرة على اشعال حرب خلال دقائق. حتى اسم فيصل كان يبدو مصمماً بعبقرية بالغة. فهو اسم ينطوي في العربية على معنى الفصل بالعدل بين المتخاصمين، ثم أنه اسم يرتبط شديد الارتباط بالخليج العربي وأسماء ملوك وأمراء هناك بل و ببطل الثورة العربية ضد المحتلين “الأجانب”، كل هذا دون أن ننسى أنه يتربع على عرش محطة “الجزيرة”. فيصل القاسم بطل اعلامي قومجي عربي دخل بيوتنا جميعاً دون أن ننتبه.

و بينما كنا نتلهى بنقاش ربطة عنقه والانحسار في جانبي الملعب لتشجيع أحد المتصارعين فإننا كنا نتلقى منهجياً أسلوباً جديداً لممارسة الديمقراطية. بلا وعي دخل فيصل القاسم إلى قلوبنا جميعاً! بلا أدنى وعي، واستوطن، حتى بات جزءاً لا يتجزء من أسلوب حياتنا.

جاء فيصل في ذروة زمن القمع ! كانت الأنظمة العربية الارهابية قد أوصدت كل أبواب المعرفة تقريباً في وجوه مواطني المنطقة التي اختارت الذل في مفاضلة مع الموت. ثم جاءت “الدِشات” تلك الأطباق المعدنية التي بمجرد وضعها على السطح كان يدخل الاوكسجين للبيوت في المشرق العربي وشمال افريقيا.

كان فيصل مقدمة لربيع عربي مصمم على مقاس الآخرين. تحضيراً لرأي عام لكن الأخطر لسلوك عام. تلك الإزاحة الممنهجة للوعي باتجاه ربطة العنق أو تسريحة شعر أو معركة ديكة تنتف ريش بعضها كانت فنية للغاية. و في أثناءها كان سلوكان على الأقل يتم ترسيخهما في العقل العام.  تحول فيصل من زيارة مفاجئة، لزيارة متوقعة، ثم مُنتظرة، ثم ضرورية! تحول لإدمان. إدمان على شيئين ستكون لهما انعكاسات شقية للغاية فيما تلى دخوله الأول بسنين. ذاك الضيف بلغته الجذلى، تحاذقاته اللفظية والمنظومة الفكرية الهائلة التي تقف وراءه استطاع أن يحصن نفسه من أي انتقاد فلسفي معرفي. حاز قدرة تقنية هائلة على تصوير أي نقد فلسفي اجتماعي له بوصفه ظاهرة مبرمجة إلى سخرية اجتماعية قاتلة في زمن التراجع الأخلاقي والعقلي.

لكن ما هما الشيئان اللذان جُعِلنا بوساطة فيصل ندمنهما حتى الجريمة؟

التعبير المتطرف عن الذات من خلال تشويه الآخر والتفكير الانفعالي وليد اللحظة.

تؤكد دراسات عديدة ارتباط سلوك الغضب الفاحش بخصائص نفسية وسلوكية عديدة يتسم بها الغاضبون بشدة وتكرار، إحدى تلك الخصائص هي “التفكير الانفعالي الآني”. يتسم نمط تفكير الأشخاص الغاضبين بشكل حاد ومتكرر بكون أفكارهم وليدة تجليات اللحظة.

كل الصياحات التي قادها فيصل كانت ترتكز على نقطتين جوهريتين:

١- أبيض-أسود

٢- عجلة واستفزاز لانتاج أفكار وتعابير وأفعال وليدة اللحظة.

لم تكن الغاية على الإطلاق ولا في واحدة من تلك الحلقات بناء جسور تواصل. ولا نقاش اتخذ من الوصول للحقيقة الممكنة غاية له. تضخيم التجاذبات وترسيخها كان على الدوام هو الهدف.

هكذا أسس فيصل -بدعم هائل من ورائه- لثقافة حوارية خطيرة. ثقافة مبنية على وجوب تضمن أي حوار لتضارب خانق في وجهات النظر لا يمكن حله إلا من خلال ذكر عيوب الآخر، وربما وصمه بما ليس فيه، والباسه كل ما يلزم من اكسسوارات تسهل من عملية تصويره كحيوان. وبالطبع ففي بلاد لا تحترم حقوق الإنسان أصلاً ماذا يمكن أن يحل بالحيوانات! وبالمقابل فإن كل الحوارات كان يستند فيها المتحاورون لموضعة الذات في برج خاص بدعوى الجاذبية والامتياز والفرادة والخصوصية و؟؟؟ : امتلاك الحقيقة المطلقة الصرفة المؤكدة.

هذه الميكانيكية في اعادة انتاج ممارسات سلطوية سياسية قهرية عليا كانت تقدم نفسياً منافذ لتنفس مسموم لجل سكان المنطقة. لم يختلف دور “فيصل القاسم” عن دور “دريد لحام” إلا في الصيغة.

نقطة أخرى ساهمت ماكينة الاعلام (الخليجي جغرافياً، الاستعماري ذهنياً)، في ترسيخها كمكون أساسي لثقافة الحوار عبر برنامج فيصل القاسم “اتجاه معاكس” كانت تهميش الحجة. المفروض في الأصل أن يبنى أي نقاش عام على تداول لحجج تستند لبراهين ما أمكن لتثبيت فكرة ما أو لدحض أخرى بغاية التأثير في الرأي العام. جل الحوارات في برنامج “فيصل” كانت تستمد “حرارتها” من التحشيد القطيعي لشيعة كل طرف في مواجهة أنصار الطرف الآخر. هناك إذاً استقطاب مبني على ترسيخ مفاهيم قبلية بأشكالها الخارجة عن الأطر الحيوية القانونية المواكبة زمنياً: العرض، الشرف، الثأر، الكِبر، الهجاء، القوة، الزعامة، تستعرض نفسها بأمانة من خلال أمثلة كثيرة في “حلبات” صراع قادها فيصل واستثمر فيها النفط القطري. لم يكن للحُجة مكان إلا ما ندر واستخدم فيصل تقنيات مختلفة لتخفيض مساحات الحجج، منها: التجاهل، الاستفزاز، إعادة التأطير والفواصل الإعلانية.

يمكننا افتراض مبالغة في تحميل “فيصل”=السقا ، و”الجزيرة”=الواحة و”قطر”=القبيلة مسؤولية مآلات شكل، وسوية، وجودة “الحوار” العام في المنطقة الظمأى للتعبير واكتشاف الهوية من خلال النقاشات العامة. وهذا صحيح. فلا يمكن تقليص تطور آليات الحوار في المنطقة لظاهرة واحدة. لكن الأكيد أن تلك الظاهرة لعبت دوراً بارزاً يمكن تلمس آثاره نوعياً وكمياً في نمطيات الحوار العام على منصات التواصل الاجتماعي. وهي في الحقيقة تتعدى كونها مجرد ظاهرة لتتقدم خطوة باتجاه كونها بنى معرفية تأسس لأنظمة معرفية ثقافية طويلة الأمد وشديدة الرسوخ. خيط يتماهى بشكل كبير مع الخيط الرابط اليوم لمنظومة المنصات الحوارية التي تُشيد لنقاش أزمات كبرى تعصف بالمنطقة. يمكن تلمس استثماراً اقتصادياً-سياسياً هائلاً في انتاج الخطاب العام تتجلى مفاعيله في انتاج واقع بل وقائع جديدة، يُسأل عن درجة ومدى ديمقراطيتها. و في هذه الأثناء الواضح أن جل النقاش العام يتم تصنيعه بحيث يضغط باتجاه تقليص مساحات الحجج المنطقية وتوسعة مساحات التهييج الشعبي. وفيما يتم أكل العقل بدعاوي شتى كالتسلية و البساطة وعدم التكلف و”الشعب يريد” يزداد سفك الدماء، و فيما نتلهى بوصف الشكليات فإن تلك الشكليات تشنقنا. نحن أمام حرب هويات وهذه الحرب تستمد جل طاقتها من القوة الرقمية على نشر المعلومة. ومن التحكم بوسائل الانتاج المعرفي.

لقد تغير العالم كما كان يفعل منذ البداية، لكن هذه المرة بسرعة أكبر من قدرتنا على القراءة. ذلك لأننا أميون.إذ لم نتعلم اللغات الجديدة التي يتم كتابته بها: البرمجة، الرموز، الاشارات، وانتاج ونشر المعاني. المسألة لم تعد فقط : الجمهور عايز كده، بل أصبحت: عايزيين جمهور كده. ماذا يمكننا أن نفعل؟ نتعلم  القراءة والكتابة والفلسفة بينهما

 

 

T-Algorithm | خوارزمية “ة” – مستقبل أفضل

Algorithm T

وفي أخبار حلوة. تعب كبير لمدة سنين. تجارب مستمرة. عدد مرات الفشل أكبر بكتير من عدد مرات النجاح. عدد مرات الفشل أقل بكتير من عدد مرات الإصرار على النجاح. لكن صار في نتيجة  قد تستحق المشاركة.

المشروع هو خوارمزية – ة . والتاء ترمز للتغيير وللتكنولوجيا وللتأنيث.للحياة.

تجارب ومراحل كتيرة مر بها العمل:تجارب من التقاط وتسجيل تعبيرات بصرية عن تغير الهوية السورية  ابتداءً من”تضيق العلم السوري وانحسار النجمتين وطغيان الأحمر والأسود على حساب الوسط” ومرواً بلافتات الثورة ومن ثم فنون الثورة وعبوراً باستعراضات تنظيم داعش البصرية وبتظاهرات في مدن أوروببية حملت دلالات وشعارات مختلفة. عمل الاستبيان “الأوسع” عن سوريا ومواقف السوريين تجاه المستقبل والمحاسبة والمصالحة عام 2012. مروراً بجمع و دراسة استبيانات ظهرت بأول الثورة عالفيسبوك. تلى هالشي جهد كبير في جمع وكتابة لافتات الثورة. من قهوة بيجز بالشام بمنطقتي الروضة والشعلان و ادخال يدوي سطر سطر لأعمال فنية ظهرت وانتشرت على الفيسبوك، بعدد اللايكات وعدد الشيرات والوسوم وحدة وحدة، ومروراً بتحليل 14 ألف عمل فني مع تفاعلات السوريين معها لنيل شهادة ماجستير بباريس ٨ والهدف: اثبات بصري ورقمي وكمي لسلمية الثورة. سلمية التغيير ومشروعيته المطلبية الجماهيرية. من تجربة تحليل محتوى الصحف الاعلامية وصولاً للصفحات الحقوقية.شبيبة سوريين ساعدوا و اشتغلوا و دعموا بعض منون لليوم ما فينا نقول أسماءون لأنون بالشام و والتانيين صاروا ببلاد تانية وتالته ورابعة. آخرهم في ألمانيا هذا الشهر.

دينا, هديل, ميرفت, ملاذ, اياد، نديم, رامي، هاني, وطول الوقت ما بنسى كارولين يلي ما كانت شايفة بالضبط لوين ممكن يروح الشغل بس ع طول كانت داعمة بإيمان راسخ وجميل ومليء بالمحبة.

اليوم وصلنا لنتائج ممتازة. ملايين التفاعلات مع المحتوى المنشور من قبل السوريين منظمات وأفراد خلال السنوات (اقتربت من اتمام السبع) الماضية. مئات آلاف القصص يلي تم نشرها. ملايين الأشخاص وملايين التعليقات وآلاف الموضوعات.

تعبنا لأن المشروع مستقل بالكامل وبكل رضى عم نتقدم. من 2011 نظرتنا لتوثيق التاريخ الآني ما كانت عم تركز ع جرائم الحرب لأنه مجال خارج اختصاصنا ويلي بغير كارو بقل مقدارو، نظرتنا للتوثيق كانت ولا زالت تتعلق بحفظ الشعور والفكر الانساني يلي أنجبه التغيير ويلي أنجب التغيير. هالشي يلي ممكن يساعد على صناعة مستقبل أفضل على الوجه الذي نرغب اذا ما فهمناه حق قدره واستثمرناه على الوجوه الممكنة.

الفرص اليوم بسبب هي المعلومات المجمعة، المؤرشفة والمنظمة صارت كبيرة. من أبحاث تتعلق بأدلة جنائية، لتغيرات الهوية، لصنع السلام، للعمارة وحركة التظاهرات، وصولاً لهندسة الغد. من استراتيجيات المحتوى، لنقاش الجموع والفردية،  للبحث في وسائط التعبير بأشكالها المختلفة من فنون وصور ولوحات. من أبحاث النوع الاجتماعي، صورة المرأة، المطالب الشعبية، الهموم، اللاجئين، وانتاج “سخرية من أجل ديمقراطية أعدل”، قيادة الرأي العام وصناعته، ووصولاً لرصد خطاب الكراهية وبنفس الأهمية الخطاب المؤلف للقلوب من بعد أن شقائها وتلوعها.. من نقاش التغيرات الاقتصادية خلال السنوات السبع العجاف، لرسم ملامح السبع المقبلة. لم يكن هدف المشروع توثيق ما جرى لتوثيق ماجرى، وإن كان ذلك مهماً بطبيعة الحال، وإنما الهدف هو هندسة، رسم، انتاج، صناعة، بناء، خلق المستقبل. هو موقف مبدئي يوازي خيار ضحية/محاسبة أو استهلاك/انتاج أو ماضي/مستقبل. المعلومات بهالكم  وامكانية الفرز النوعي رح تساعد على تصميم نماذج تنبوء وأنظمة تدخل لخلق مساحات للديمقراطية وحريات التعبير بالأشكال المختلفة بما فيها الصمت الاختياري!

هالحكي ممكن يبدو ثرثرة. وقبل ما اكتوب ترددت بصراحة لأنو برأيي أفضل أنواع الشغل هي يلي بتتم بصمت. بس في أسباب كتيرة خلتني اكتوب.

أول شي انو نحنا ع باب تغيير قادم للأمام وللأفضل ورح يعطي شغلنا دفعة ايجابية. وهالتغيير رح تقروا عنو بعد كم سطر.

تاني شي لأنو كل يلي اشتغلوا و عم يشتغلو بيستحقوا كل الشكر بعد تعب وتجارب سنين لانون اشتغلو من صماصيم قلوبون. بمحبة للمشروع وايمان فيه. مع العلم انو هالمشروع متل اي شي بالحياة ما بيخلق واضح المعالم وبيتطور بقدر انفتاح الحاملين له عالتجارب والمقترحات والقراءات والنقاشات..

يمكن كان فينا نكون أسرع بالانجاز لكن في عوامل كتيرة بطئت. أولها انو شغلنا كل السنين الماضية كان تقريباً بدون أي تمويل منذ عام 2012 حتى عام 2017 باستثناء تمويلين: شعبي عالانترنت وجزئي من المركز الثقافي البريطاني وبما لا يتجاوز مجموعهما 5500 يورو كانوا خلال عام 2013 وجاءت بشكل كامل لمشروع توثيق فنون الثورة يلي ما خلص لسا. الهدف من هالحكي هو انو نقول شي بسيط: حجة عدم توفر التمويل ليلي عندو مشروع حقيقي مآمن فيه هي حجة واهية. بحياتها الثورات والقيم والمبادئ ما بحدد عمرها وقابليتها للحياة وجود تمويل أو عدمه. وجود التمويل بساعد ع الفعالية بالانجاز. صحيح بسبب ضعف التمويل تأخرنا بس هاد ما بيعني أبداً انو المشروع وقف أو ممكن يوقف.

تاني شي الظروف النفسية الصعبة لكل المشاركين. في ناس كانت عم تمروق الطيارات من فوقها بالشام لتروح تقصف ريف الشام! في ناس كانت عم تشتغل بالعتمة وبلا كهربا من عام 2012 من حلب لما كانت حلب لسا حلب. في ناس كانت عم تقطع الحدود مشي ومعها حبات تمر وكرت ذاكرة. كرت ذاكرة عليه ما أمكن حمله من الذاكرة. في ناس صارت بالقطب الشمالي تماماً. أقصى شمال النرويج بعيدة عن اولادها وبناتها وحبها. في ناس كانت عم تستنى اقامتها بأوروبا و اجاها الرفض رغم انها سلمية وداعمة للتغيير الايجابي من اول يوم ومع ذلك ضلت الابتسامة والدقة والرغبة ساكنتن. ما حدا كان سعيد و مرتاح. كلنا كنا مسكونين بحزن صعب أصلا ًوصفه ومتعبين وينتابنا النزق والقلق. كنا ولا زلنا. ككل المفجوعين الذين يحبون الحياة ويصنعونها. في ناس اعتقلت وفي ناس هربت. و في باسل مات.

تركت اسم باسل لآخر شي أصداً. باسل كان عم يشتغل مو على هاد المشروع وانما على المنصة الحاملة. ع ويب سايت رموز. آخر شي وصلني من باسل -العايش- هو رسالة اعتذار من السجن عن طريق نورا الجميلة بقلي فيها انو اسف انو راح كل الشغل وبقلي انو هو مآمن برموز. ما فيني إنسى هالكلمات بحياتي. بفتح الورقة وبقراها وبرجع بتفاءل. مشان هيك هاد المشروع حتى هالمرحلة، تعب سنين من كل هالناس، بدي اهديه لباسل. وأرجو انو يقبله ويبتسم. بعتقد انو هاد رد منيح ع ظلم ووحشية وقهر النظام الأمني في سوريا.

يلي بيسأل شو يعني ثورة. هاد جواب بسيط.خسارة الأصدقاء. حرمان الأهل. ارتباك اليقين. بتتغير الدنيا فينا وبتقلب و بعد ما كنا معزوزين ومرتاحين منتعب…….. بس هي هي الثورة. الثورة هي انو نآمن. انو نحب. انو نشتغل للمستقبل. وع فكرة ما حدا لحالو بينجح. كذاب يلي هيك بقول وبيظلم لحاله والناس يلي حوليه. وعيانين تماماً انو التحطيم الممنهج للثقة بالنفس وبالمحيط يلي تمت ممارسته خلال عقود طويلة أورثنا آفات نفسية صعب ملاحظتها أولاً وصعب التخلص منها ثانياً. جزء من مهمتنا هي وعي التاريخ الآني وعدم استنزاف الحاضر في تحليل الماضي. كل الشغل على البيانات من السنوات الماضية مبني على خط الزمن. نؤمن بأننا بلغتنا وتعبيراتنا نصنع الواقع بل الوقائع.

بدي اشكور أشخاص ع مستوى مهني: ماتيو غوتيه، آن سوفي، ومازن درويش. في أشخاص بيحضرو بوقت معين من حياتنا ليعملو شي بسيط كتير: يأكدولنا انو الجداول رح تلتقى وتعمل نهر كبير.  

هلأ رح تبتدي مرحلة جديدة. ونحنا جاهزين.

بالمرحلة الجديدة البيانات رح تتيح قراءة ما جرى، انزياح الايديولوجيات، تغيرات اللغة، تنوع التعبيرات وسيميائيات المجتمع السوري، رسم تغيرات العواطف والمشاعر، مكانة المرأة، هوامش المعرفة، التبدلات الاقتصادية، خطاب الكراهية، الأدب، الكذب، السعادة والسخرية…. رح تكون متاحة لأي حدا مهتم بصناعة المستقبل. أي شخص يعني أي شخص. هدفنا انتاج بنى اجتماعية جديدة من لاعبين جدد وليس الاستمرار في انغلاقات بدوائر تستند للشللية والمعارف القراب وتزكيات غالباً بتكون غير موضوعية. هدفنا توسعة دائرة المحبة و السلام لتستوعب أي حدا عنده مشروع بناء.

بكل حب وهدوء بدي قول انو رح نفتح باب المرحلة القادمة. وعد من روح المشروع ومسؤوليته إنو الانتاج رح يكون مشترك وثمار المعرفة للجميع. المرحلة القادمة هي مرحلة المشاركة. كرمنتينا ع كف مفتوح. في منظمات دولية كبرى اشتغلت ع مشاريع ضخمة جداً وما نشرت النتائج بالسنين الماضية. للأسف . بل للأسف الشديد هالشي لا يساعد لا عالمراكمة ولا عالفعالية ولا عالبناء. ندرة الموارد في أزمنة الحرب والظلم تحتم المشاركة لا الانغلاق. التقاسم و ربما الإيثار لا الاستئثار. رح يكون في آليات مختلفة وكتيرة لنحط هي البيانات بين ايدين أي شخص عنده مشروع بحثي تطبيقي مهما كان بسيط او معقد لاحداث تغيير ايجابي.

البيانات رح تكون على شكل منصة على الانترنت الوصول لها والبحث فيها رح يتطلب بالمرحلة الأولى فقط تقديم شرح بشكل كتير مختصر عن المشروع يلي بيحتاج الشخص البيانات مشانه. بضعة أسطر لا أكثر. أيضاً نحاول تجنب العمل البيروقراطي.

وإذا كانت المرحلة الماضية هي إهداء للحبيب باسل والفاضلة يلي آمنت فيه ووقفت معه نورا فهالمرحلة القادمة هي إهداء للعزيزة فرانسيس توبهام سمولوود يلي عطتني الكثير من المشاعر الحلوة والايمان والحب والشوربة اللذيذة خلال السنة الماضية. هدية بسيطة عالكريسمس والسنة الجديدة.

صعب فصل الخاص عن العام ويمكن ما مطلوب خصوصاً لما منكون عم نحكي عن عواطف التغيير. عن علم نفس المجتمع.

بدنا دعمكن ودعمكم.. بدنا نصائح ومقترحات. فكونوا كرماء معنا لنقدر ننابع.

وأي سؤال، ومهما كان يا ريت لا تترددوا ولا لحظة.

سلام جميل دافئ للجميع.وكل سنة وانتو سالمين :)  

 

 

ملاحظة : سنقوم في الاسبوع الثاني من شهر كانون الثاني – يناير بنشر بعض الفيديوهات عن امكانيات البيانات والبحث وسنقوم بنشر استمارة قصيرة جداً لمن لديها أو لديه مشروع بحثي بناء يريد الاستفادة من البيانات لتطويره. يرجى البقاء على اتصال ومتابعة

 

 

سوريا: العمل المدني واضطراب مفاهيم الهوية

Syrians are united - al shab al souri wahed
نجاح أي مشروع لا يجب أن يعتمد على الفكر العوايني أو على التقليل من قيمة الآخرين. هل بات بالإمكان أن نقتنع أخيراً بجدوى هذه الفكرة البسيطة. ميراث طويل من ممارسات استخباراتيه أسست لثقافة مريضة وممنهجة لتمزيق المجتمع السوري مثل: “بين كل تلت سوريين في أربعة مخابرات” و “طقطقت البراغي” و”الوشاية” و”كتابة التقارير” من نتائجها اثبات عجز هائل بين السوريين خلال السنوات الماضية عن بناء مشاريع مشتركة.
 
غير مطلوب لمحاربة خطاب الكراهية التحرك من منطلق “كمشتك”، “لقطتك”، “علمت عليك”.
غير مطلوب لإظهار إيمانك بالديمقراطية وضع الآخرين في قوالب معاداة الديمقراطية.
غير مطلوب لإظهار إيمانك اتهام الآخرين بالـ”كفر”.
غير مطلوب لإظهار “علمانيتك” تصوير الآخرين على أنهم” “أصوليون وارهابيون”
غير مطلوب لإظهار عزة نفسك إظهار الآخرين كما لو كانوا “أذلاء”.
غير مطلوب لترويج مفاهيم النوع الإجتماعي وحقوق المرأة اتهام الآخرين بالذكورية المثبطة للعقل.
 
مشاريعك الشخصية على العين والرأس لكن يمكن انجازها من دون تحطيم مشاريع الآخرين وهوياتهم.
الطبيعي بأن تمويل مشاريعك يستند بشكل أساسي لإظهارك “فراغات” اجتماعية، هذا مفهوم تماماً وسليم، لكن ربما يعني أن عليك “ردم” تلك الفجوات أوبناء جسور فوقها لا توسعتها أكثر سعياً لموارد أعلى.
 
المشاكل في مجتمعاتنا ليست بحاجة فقط لتسليط إضاءة عالية الاستطاعة عليها تستهلك موارد كان يمكن استثمارها لحل المشكلة في حد ذاتها .المشاكل في مجتمعاتنا تحتاج ليس فقط لأصابع تشير للفاعل -وإن كان ذلك مهماً- بل انهماك في فعل التغيير بحد ذاته. المشاكل في مجتمعاتنا ليست بحاجة لفركشة الآخر ودق الأسافين والرمي بالغيب والثرثرة المرضية وموضعت الآخرين في مواقع دونية من منطلق استعلائي يسترضي “الآخر” أولاً ويحقق نوعاً مرضياً من تعريف الذات من خلال تشويه تشويه مجموعة الإنتماء.

عصر المعلومات والاحتلال المعنوي

  فارق هائل بين هاتين الصورتين ! فبينما تقف الأولى لتعبر بشكل لا لبس فيه عن قضية الفلسطينيين وقضية فلسطين العادلة، تسحب الثانية هوية القضية وهويات الفلسطينيين جميعاً لزاوية ضيقة فتكفن الوجه المشرق ببندقية دينية عصبية وعلم لا يمثل تاريخ القضية ولا حاضرها لولا تدخلات البتروشيكل. هكذا يتم ليس فقط الاستحواذ على المعاني واستلابها بل وتشويهها
Celtic v Hapoel Be
palestine flag 2
الاستحواذ على مفهوم أخلاقي من قبل أي جهة وإساءة تمثيله لا ينزع عن هذه المفهوم نسبته الأخلاقية. إذا انتصرت داعش غداً لمبدأ من مبادئ حقوق الإنسان و في ذات الوقت قامت بارتكاب الفظائع فإن هذا لن يجعل من ذلك المبدأ قذراً وبطبيعة الحال لن يدفعنا للتخلي عنه.
بذات المقاربة، الاستحواذ على مفاهيم مثل الثورة أو المقاومة من قبل أنظمة وجماعات مستبدة و مجرمة من ترامب لحسن نصر الله لا نتنياهو للأسد لا يعني أن علينا التخلي عنها.
لم نتخلى عن المكتبات لاستحواذ الأسد عليها “مكتبة الأسد” ولا عن الله لأن حزب الله حمله كلاشينكوف على علمه ولا عن المقاومة لأن حماس بنت اسمها على أركانها “حركة المقاومة الاسلامية”. لم نتخلى عن القراءة لأن “أمازون” سيطرت على النشر. ولم نتخلى عن الحب لأن “هوليود” و “تيندر” و”بلاي بوي” عرضوه كما يشتهون.
إننا نعيش في زمن تغيرت فيه وسائل الانتاج وملكياتها وتغيرت معها أشكال الحروب. إن الحروب التي تخاض اليوم حول العالم هي حروب “معلومات” وهذه المعلومات لها شكل واحد “اللغة”. سواء أكانت نصوص وكلمات أم كانت صور ثابته أو متحركة أم لافتات أم بيانات أم حلقات تصويت، أم أعلام أو لغات برمجة أو رموز. وفي هذه المعارك التي تتنوع ما بين خلافات وقلقلات ونزاعات وصراعات وحروب فإن هناك تنافس مستمر للسيطرة على المعلومات. جزء من أشكال هذه السيطرة يكون من خلال الاستحواذ على المعاني. وهذا ما يلقي بتحديات هائلة على أنظمة المعرفة والقرار.
إن ما يحدث في فلسطين منذ بضعة أيام  منذ اعلان ترامب القدس عاصمة لـ “اسرائيل” لا مشكلة فيه من حيث التصعيد. وأرفض رفضاً قاطعاً الخطاب الذي يقول “لا تدفعوا بالناس إلى الموت” لان في هذا شيء من النظرة الاستعلائية “للناس”. وأرفض رفضاً قاطعاً أيضاً تقييد التعبير وحسره تحت ذرائع شتى أسوءها على الاطلاق ما أقرأه على شبكات التواصل الاجتماعي من حيث أن تلك التظاهرات تؤثر على صورة المجتمعات الغربية لنا!!!! أو تلك المحبطة الفارغة-الثورية والمسكونة بالمقت والكسل مثل “وهل سيغير ترامب قراره إن خرجتم كم مظاهرة!!”.  وفي الحقيقة فإن كل “شقفة” من هذه المحاكمات المبتورة من جسم المعنى الكلي يبدو أنها فريسة الاستحواذ من حيث لا تدري. وهذا التشوه في القيم هو مقتل أي بنية فردية، زوجية، أسرية، جماعية، …
ومع هذا الوعي لمفهوم “الاستحواذ” سيمكننا أكثر أن ننتبه لممارساتنا و تعبيرنا. فما أراه خطيراً ليس التظاهرات بل “دود الخل”. إن الإنسلال لداخل الخطاب سواء عرف نفسه على شكل لافته في تظاهرة، أو تظاهرة في حد ذاتها، أو بيان سياسي، أو فيديو مسجل أو أي شكل من أشكال الانتاج هو ما يثير القلق ويسترعي الانتباه. على سبيل المثال: ما أسهل أن ينسل خطاب دحلان ,وأصابع بعض المخترقين لحماس وعلى ارتباط مباشر بالموساد للخطاب الوطني الفلسطيني المحق فيسرقون جميعاً منه حقوقه كاملة كما حدث معنا في سورية حيث تم استلاب هوية الثورة ومعانيها.

To: Bassel From: Bilal CC: Black Dog

I was confused, for the past four days.
Bassel is killed, actually, he was killed back in 2015, but we only heard the news lately

I was confused. I felt lost, tired, helpless and i needed to cry. I cried. I slept. I took the train. I mingled with the Sein, frequented centre Pompidou terrace, and rode my bike. Altering the peddling pace between anger and sadness, shuffling the memories. Crying out and then laughing hesterically. I was not a scene in a movie, nor a chapter in a book, or i was?

The news about Bassel rewinded my memory reel to Damascus 2012 when everything was going just. We were risking our lives, some fellow citizens had already died, and freedom was foreseeable and i can confess we almost touched hands, kissed and spent good time.

But then it became just too manipulative and emotionally draining and we simply very bitterly simply we did not have the capacity to contain the pain and the art to embrace challenges.

Friends were killed, kidnapped, arrested and beaten or put in starvation to death. Bassel was arrested too. We were working on a media platform when bassel disappeared. I never saw him again after that day. We were supposed to meet as usual at pages cafe- Rawda area branch that day but he never arrived and then things started to change.

For many, the brave act of waiting for detainees has always been like an evolutionary hopeful open palm morphing gradually into a tight fist. Grasping time. But then time leaks.
The news about Bassel’s death broke me and my fist was let free and i could realize it was empty. Time had slipped somewhere and i could not see the future for a while. It was too tranquille to be contained. Just like many ordinary Syrians I was totally devastated by the fact of his assassination.

I did not know what to do. I could not even send my condolsencrs to his best friend, love and wife Noura. I was ashamed when i knew i am so empty.

The very basic thing i could thought of was to read Bassel’s again. Sort of connecting with the sole immortal construct: words.

I did. And it started to become a smooth relief.

I also went back to a letter he sent me from his detention with his love-Noura- and i cried more. I kept crying for days like a child. Until i woke up and realized i was not a child so i stopped.

During the hard moments, from day one, I started to think how can we be more helpful to bassel in an innovative way. If only i had plenty of money to announce huge prize to those who can crackdown the syrian government files. I thought. Not only syrian government but any brutal shit in this world. How can we spray the stencils of #freebassel on monuments with another hashtag #novandalismplease? Or maybe how to create a mass player video game for hunting for denocrcy treasure in palmyra! But then i became more disappointed. First, because non of these thoughts were innovative and second because i was spending time trying to cope through production. More wastage of peace.

I then discovered, with a deep sincere conversation with myself when i was onboard train that my real big pain was not Bassel, and it was not Nora. It was me. I felt a deep sorrow and i felt so pity on myself. I lost another big dream! Like many, Bassel, beside being a friend, was a symbol star to me, guiding my dreams in the dark desserts of conflicted ideologies.

Soon, after this self-consciousness moment i felt less selfish and less weak and more liberated and freed than ever.

The rest is the best. Few hours latter i will find myself doing the best thing i could ever thought about to say goodbye to Bassel: hugging a dog.

ps, i still feel for no reason that Bassel is still alive.

نظرية الإلتصاق – Attachment Theory

Attachment theory

النظرية

بالمشائم تلتصق الأجنة بأرحام والداتهن، في الرضاعة و المداعبة والحمل تبقى الرضع ملتصقة بأمهاتها. هذا جزء من الفطرة البشرية التي ستصاحبنا مدى العمر. الالتصاق. إن كل ممارساتنا الاجتماعية الأكثر ألفة هي أنواع متفاوته من الالتصاق.

ثم حين يكون و نتعرض للفصل عن بعضنا. فإننا نتفاعل بأشكال مختلفة. مثلا:

الإحتجاج: منبعه التوتر الناجم عن الفصل

اليأس: منبعه الحزن و الفجيعة

التجاهل أو الانفصال: وهو سلوك دفاعي في المقام الأول رداً على الكبت واحتواءً سلبياً للحزن

الإسقاط على أرض المجتمع

عاش المجتمع السوري طوال عقود في عمر المراهقة. يرد نقاشاً معمقاً لهذا واسناداً لنظريات مرجعية في مكان لاحق في تسلسل هذه النظريات لكن حالياً يكتفى بالاشارة لمراهقية المجتمع يعود لتسطيح ثقافي وانتاجي مارسه نظام شمولي على مر 41 عاماً سبقت الثورة. النزق المراوح بين الحاجة الطبيعية للالتصاق الاجتماعي والفطري من جهة وانعدام الثقة والأمراض الاجتماعية النفسية من جهة أخرى  من طرف آخر ألقى بظلال شائكة على سلوك السوريين الفردي والجماعي خلال السنوات الماضية

على مستوى الفصل العنيف عن “بعضنا” سنرى تجليات واضحة لتعبيرات الاحتجاج، اليأس والتجاهل إذا ما ألقينا النظر عميقاً في ظوهر الاعتقال، اللجوء ، وما يصطلح كثيرون على تسميته “سرقة” أو “قتل” الثورة السورية.

المراجع

Ainsworth, M. D. S. (1963). The development of infant-mother interaction among the Ganda. In B. M. Foss (Ed.), Determinants of infant behavior (pp. 67-104). New York: Wiley.

Bowlby, J. (1969) Attachment and loss: Volume 1. Attachment, New York: Basic Books

Bowlby, J. (1973) Attachment and loss: Volume 2. Separation: Anxiety and anger, New York: Basic Books